الأجيال الشابة هم مستقبل الأمة ...




د. احمد سالم الوحيشي -  يعود بداية تحرك الشباب كجزء من مجتمعاتهم في التاريخ الحديث إلى فترة العشرينيات والثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي وما شهدته بقاع مختلفة من العالم من مصاعب، وامتداد ذلك حتى فترة الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من كفاح من اجل القضاء على الاستعمار، وخاصة دور الشباب في حركة التحرر لشعوب آسيا وافريقيا والامريكا اللاتينية، ويذكر منها انتفاضة الطلاب عام 1936 في اطار حركة التحرر في لاهور ابان الاستعمار لشبه القارة الهندية.

في الخمسينات من القرن الماضي كانت من ابرز الحركات الشبابية الحركة الطلابية ومطالبها الشهيرة في مجال التعليم وحقوق الاجيال الصاعدة إلى جانب مكافحة البطالة، ولعل من العلامات الفارقة ثورة الطلاب الشهيرة في الستينات التي اطاحت بالرئيس الفرنسي ديجول وهو البطل القومي لفرنسا ابان حرب تحرر بلاده من قبضة الاحتلال النازي الا ان كل هذا التاريخ لم يشفع له عندما بدأ يرافق حكمه جوانب من الفشل بعد عقد ونيف من تربعة على رأس السلطة الفرنسية.

تلك الحركة الطلابية بنجاحها في الاطاحة بزعيم كبير مثل ديجول من خلال الحركة الاحتجاجية والتظاهرات التي ملأت الشوارع الفرنسية، شأنها شأن الثورة الفرنسية الكبرى، ظهر لها فلاسفة ومنظرون وكان منهم المنظر لحركة الطلاب ماركوز، وفي الوقت الذي كان فلاسفة اليسار قد اعطوا الدور الطليعي في المجتمعات للعمال، كان ماركوز على الضد منهم، حيث اعطى الدور الطليعي للطلاب، وتأثر بهذه الافكار كثير من قادة الحركات الطلابية في بقاع مختلفة من العالم، وكان هناك في الستينات والسبعينات دورا كبيرا للشباب والطلاب في حركة السلام العالمية بما فيها ظاهرة الشباب الهيببيز وغيرهم، خاصة في الولايات المتحدة الامريكية الذين تعالت اصواتهم لمناهضة الحرب بما فيها الحرب في فيتنام.

من ابرز التحركات الطلابية العربية انتفاضة الطلاب المصريين في مطلع السبعينات ضد الفساد وفي سبيل تحرير الاراضي المحتلة والتي عبرت عنها قصائد محمد فؤاد نجم وغناها الشيخ امام، واعاد ترديدها شباب مصر في ثورة يناير 2011.

الا ان حركة الشباب والطلاب في العقود الثلاثة الاخيرة التي امتدت حتى مطلع هذا القرن شهدت حالة من المد والجزر الذي يصل احيانا إلى حد الركود، وخاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة وتنامي دور الشركات المتعددة الجنسيات ودور منظمة التجارة العالمية كاحدى الوكالات التابعة للامم المتحدة في محاولة صياغة مواثيق جديدة للتجارة العالمية، ومازالت شعوب الدول النامية بما فيها الشباب والطلاب، تسعى لان تكون العلاقات الدولية بما فيها الجانب الاقتصادي على اسس عادلة ومتوازنة وتلتزم بالبعد التنموي.


 تعرضت الدول الصناعية المتقدمة لتحديات بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية التي امتدت لتشمل تاثيراتها اقتصاديات الدول النامية وشكلت عبئا على شعوب هذه الدول، وتمثلت بالمعاناة من الاوضاع المعيشية وزيادة معدلات البطالة إلى جانب العوامل الاقتصادية الهامة كانت هناك العوامل السياسية المتمثلة في الحاجة إلى الحريات والحقوق للشعوب والتي بسببها نرى الانتفاضات والتحركات الشعبية مؤخرا في مختلف بقاع العالم بما فيها عدد من الدول العربية، وعندما شهد العالم في 2008 و2009 الأزمة المالية العالمية، شهد العالم أزمة الطاقة وأزمة الغذاء وزيادة الأسعار، والتدابير التي اتخذتها عدد من الدول في رفع رسوم التعليم، ومن هنا شهدنا في يونيو 2010 الاحتجاجات الطلابية في المملكة المتحدة التي بدأت معانتهم منذ منتصف الثمانينات عندما خفضت السيدة مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانية السابقة ميزانيات التعليم وقلصت المنح الدراسية، وكذلك حكومة المحافظين الحالية التي واصلت نفس النهج مما أثر على الأوضاع الاقتصادية وكانت من إحدى الأسباب للتضاهرات في أغسطس 2011 الذي عبر فيها الشباب عن مواقفهم مؤخرا بلندن ومدن بريطانية أخرى.

كذلك الحركة الطلابية والشعبية في فرنسا التي اندلعت بسبب سياسة الحكومة التعليمية التي ربطت التعليم بارباب الصناعة ولم يعد التعليم حقا ميسرا، وخاصة عندما تبعتها سياسات التقـشف في دول مثل اسبانيا واليونان وايطاليا وايرلندا واثرها على قطاع الشباب، وتحرك الشباب الأمريكي مؤخرا ضمن حملة احتلوا وول استريت.

ينتقد البعض سعي الدوائر الحاكمة بالتعاون مع الصناعيين الكبار الى تقليص الاهتمام بالعلوم الاجتماعية باعتبار ان كثير من قادة حركة الشباب والطلاب ياتون من هذه الشريحة، وبسبب سياسات التعليم الجديدة تأثرت حركة الشباب والطلاب وتأثر دورها في دول عديدة وخاصة الدول النامية بسبب ضعف الحريات الديمقراطية بما فيها الوطن العربي.


وجد تحرك الشباب على جانبي المحيط الأطلسي وخاصة على شمال حوض البحر الابيض المتوسط بالضرورة صداه لدى الشباب على الضفة الجنوبية من حوض البحر الابيض المتوسط والتي من بينها المطالبات المتصاعدة بالاصلاح والديمقراطية.

تعاظمت اواصر التفاعل بين الشباب والفئات الاجتماعية الاخرى من القطاعات التي تعمل في الانتاج الصناعي والزراعي أو الثقافي ورجال الاعمال. ان الحركة الشبابية العربية السلمية التي التفت حولها الشعوب أمر جدير بالتمعن واستخلاص الدروس منها.

لقد اثبت الاحداث الاخيرة في الوطن العربي قدرة الشباب على الاندماج في الحياة مما يعطيهم دور اكبر في مجتمعاتهم بل واثبتوا قدرتهم على قيادة القوى والتحركات الشعبية وتخطي الاحزاب التقليدية والتصدي للمفاهيم السائدة مما يتطلب من التنظيمات الوطنية توسيع قاعدة المشاركة السياسية للشباب والشابات وان تواصل الحوار مع جيل الشباب باعتبارهم مستقبل الأمة، وبذلك نستطيع ان نخلص ان الشباب يمكنهم ان ينظموا انفسهم وانهم بذلك يمثلوا القوى الجديدة، كما ان من التجليات الهامة تنامي دور الشباب الراهن بامتلاكهم ناصية تكنولوجيا المعلومات واستخدامها في نشاطهم.