تــهــامــة: من أخطاء النخب الثقافية إلى تغــول النافذين (1)



علوان الجيلاني - من أشهر الأفلام التي أدانت مجازر الحرب العالمية الأولى، وحذرت من كوارث الحرب العالمية الثانية, فيلم المخرج الفرنسي آبيل غانس (إني أتهم) حيث يقف مئات آلاف القتلى في مشهد مذهل ليدينوا الظروف والأسباب السياسية والثقافية التي تسببت في مأساتهم ووأدت أعمارهم.

أتذكر ذلك المشهد كلما أعدت قراءة الحالة التهامية وما يشتجر فيها.

اليوم مئات آلاف التهاميين المنهوبين المهمشين المقصيين يقفون كما وقف القتلى في فيلم أبيل غانس, ليذكروا الآثمين بمسؤولياتهم و ليحذروا مسؤولي ما بعد ثورة الشعب السلمية من استمرار ممارسة البربرية ضد تهامة وأبنائها, ليس فيما يخص مصفوفة العنف المادي المتعلقة بنهب الأراضي والتهجير القسري للسكان والاستيلاء على الوظائف والإقصاء من المناصب والافقا، وتخريب البيئة والصيد الجائر في البحر إلخ.

بل فيما يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية تجاه تهامة وأهلها من حيث إعادة الاعتبار لها بوصفها المركز المثالي للمجتمع المدني في اليمن وبوصفها حاضناً للمراكز الثقافية والإشعاع الحضاري في عصور التاريخ الاسلامي لليمن.

وهذا يتضمن الاعتذار لأهل تهامة عما حاق بهم خلال العقود الماضية من ظلم وخسارات مادية وروحية وثقافية, ويتضمن إعادة تأهيل مدينة زبيد العظيمة لتواصل دورها وتقديم رسالتها للإنسانية.

 كما يتضمن إعادة تأهيل مدن العلم الآهله والحفاظ على آثار المدن الداثرة ضمن عملية واسعة تشمل ترميم المساجد والمدارس والأربطة والزوايا والقلاع والحصون والمزارات وتقديم دور تهامة وأبنائها بشكل لائق في وسائل الإعلام والمناهج المدرسية.. والأبحاث الجامعية، وتدشين سلسلة من مهرجانات وندوات وبرامج ثقافية تخدم هذا المنحى.

وهذا يستدعي العمل على تفكيك البنية الذهنية التي أنتجت أبشع الصور النمطية لأهل تهامة خلال العقود الماضية, تلك الصور التي بررت  ما حدث لذلك النطاق  الجغرافي وشجعت علية.

وهنا لا بد من التأكيد على عدم الركون على الأدبيات التاريخية السياسية الاجتماعية والثقافية , التي كانت تقرر خارج تهامة عبر ثمانين عاماً مضت,ذلك أن تلك الأدبيات سواء كانت تكتب في صنعاء وما حولها أو في تعز وعدن إلى حد ما، وبغض النظر عن تباينها واختلاف مرجعياتها وأسبابها التي انطلقت منها, كانت تكتب عن تهامة وانسانها مفصولين عن تاريخهما القوي، وأصولهما الحية الفاعلة، وفي ظل هزيمة وانحسار دور, فبدت الصورة التهامية غالباً في تلك الأدبيات  ذابلة مشوهة وبائسة إلى حد بعيد.

لم يحدث أن ظهرت تلك الأدبيات على معرفة جيدة بتهامة وأهلها, غالباً ما كانت المسلمات والقبليات والأحكام المسبقة والصور النمطية المتعددة المستويات تصبغ المكتوب وتطبعه، تؤكد عليه، وتؤطره, ترسخه وتتمثله حتى يتحول إلى ثابت قطعي بديهي.