الربيع العربي .. مسؤوليات الأنظمة والشعوب


إبراهيم بيضون - لقد أنبلجت شمس الثورة في ربوع بلادنا لتفجر نهضة شعبية تتمتع بالوعي واليقظة والثبات وترنو الى التخلص من الظلم والفساد, قد عبأت نفوسها بالعقيدة الراسخة ونظمت صفوفها للمواجهة الحاسمة لا تخشى إلا الله تعالى ولا تنقاد إلا لتعاليمه, تسير تحت راية الحق وتنطق بصوت العدالة بسابقة لا مثيل لها من حيث الإنتفاضة الشعبية العارمة الكاشفة عن تضجر الشعوب من حكومات الذل والخنوع والركوع للمستكبرين، والمفصحة عن تغلل الصحوة الى نفوس كل المجتمع الإسلامي.

 وها هي شعوبنا الأبية قد خرجت الى ميادين الكفاح لتكتب النصر بدماء أبنائها وتضحياتها التي سيكتبها التاريخ بالذهب لتُمجد في سجل العطاء والإباء، ولا زالت تكافح لأجل الوصول الى نهاية درب التحرير والاستقلال عن التبعية للغرب حتى لو كافها بذل النفس والنفيس, فإنها عاهدت ربها ودينها أن لا تنثني حتى تحقق أمل المستضعفين في قيام دولتهم التي وعدهم الله فيها.

نعم لازال الطريق طويلا محفوفا بالمخاطر والمنعطفات الصعبة وعند كل استحقاق لا بد من ثورة, فإن الثورة تبدأ بإسقاط الأنظمة والحكام، ولكن هنا يبدأ العمل عندما تصبح البلاد فارغة من نظام الحكم، يأتي دور الثوار ليبرهنوا على صدقهم وعلى إخلاصهم لوطنهم وقضيتهم, فإذا حصل الفراغ بعد سقوط النظام تصبح الأرض خصبة لزرع الرؤية الجديدة للحكم التي سترسم مستقبل البلاد على صعيد العلاقات الخارجية التي تحتل جزء كبيرا من سياسة الحكومات وعلى صعيد النظام الداخلي للبلد الذي يتدخل في حياة المواطن اليومية بكل تفاصيلها الاجتماعية والأمنية والمالية وغير ذلك من شقوق تهّم الفرد وتتدخل في تفاصيل حياته فترفعه الى الرقي والكمال أو تجعله يترحم على من كان من قبل.


ولا أظن أن الشعوب بعد هذه النهضة والصحوة غافلة عن أهمية النظام الجديد بعد الثورة ولكنها قد تصاب باليأس والتعب وتفضل الراحة على العمل فتكون بذلك قد قامت بإسقاط النظام لا أكثر ولا تسمى هذه ثورة ناجحة بل قد تؤدي الى ما لا يحمد عقباه خصوصا إذا لاحظنا التكالب الغربي على بلادنا ولاحظنا أطماعه في خيراتنا ورغبته في تخلفنا وإذلالنا.

وهذا الذي ينبغي أن نخشاه فإن شعوبنا خرجت طالبة للتغيير الجذري لا لتغيير الحاكم فقط الذي قد يأتي الى كرسي حكمه فيرى حوله إرثا ليس سهلا متراكما منذ سنين طويلة، يقيد حريته ويحدّ من رؤيته حول الحكم بعد الثورة، وغالبا ما يكون هذا الإرث التزامات ومعاهدات جرى عقدها مع الدول الطامحة في السيطرة على بلادنا, هذا فضلا عن حاشية النظام السابق التي بقية متربعة على عروشها بعقلية تلبس ثوبها القديم وتأنس رائحة حاكمها الأول, لا تستطيع أن تنسلخ عن سياسات شابت تحت ظلها وألفت نتائجها المخيبة للآمال الشعوب، ولا ننسى الجسم الأمني المتربي في كنف الغربي والعامل ليل نهار لتأمين مصالحه في المنطقة.

هنا لا بد لنا من التمعن في نتائج الثورة التي حصلت في الوطن الإسلامي ونطرح مسؤوليات الشعوب والأنظمة، ونرى من أين يمكن أن يبدأ التقصير والتهاون بشعارات وأهداف هذه الثورة لنعرف على من نلقي المسؤولية.

ولا يخفى على أحد أن المبدأ يفرض علينا أن نكون في حالة ثورة عارمة تتمتع بالحماس والثبات واليقظة لكل المخاطر والآفات حتى نصل الى أهدافنا بسلام، وهذه المسؤولية ملقاة على عاتق جميع الأفراد بدأ برئيس الجمهورية مرورا بكل أجهزة الدولة وكل الأفراد العاملين في مسالكها وصولا الى أفراد الشعب بكل طبقاته الإجتماعية، ولا يصح لنا أن يجبنا بعضنا بعضا وأن نلقي بالمسؤولية على الآخرين بل الكل تحت مصلحة الشعب ويجب عليه أن يسهر على تأمين الإستقرار والأمن والتقدم في كل المجالات، وفي هذه الحالة يقف الشعب مع حكومته عندما يرى منها الجدّ في العمل وبذل كل ما في الوسع لفرض التقدم والازدهار وتأمين وسائل العيش الكريم للأفراد والسهر على تقدم بلادهم وحفظ عزتهم وكرامتهم, هنا في هذه الحالة نرى أن الشعب يحب الحكومة ويعمل بكل قوته لأجل بقائها ويكون جاهزا لتقبل أي شيء منها, فإن الثقة بين الحاكم والمحكوم أساس النهوض بالبلاد نحو الكمال.

فلا بد من التغيير الحقيقي في الأنظمة التي حصلت على إستقلالها من عملاء الغرب سواء على مستوى السياسات الداخلية أو الخارجية وينبغي إعادة النظر في كل الإتفاقيات التي جرت في عهد العملاء لأنها لا تجلب الخير للبلاد, حتى نبني نظاما ينسجم مع رغبتنا في التغيير الحقيقي لا الصوري.