الحوار.. ودول الجوار


د / محمد حسين النظاري - أثبتت الزيارة التي قام بها الرئيس عبد ربه منصور هادي - رئيس الجمهورية - الى دولة قطر الشقيقة، يوم الخميس الماضي 2 أغسطس, أن علاقة اليمن بدول الجوار علاقة مصير مشترك، وأننا لسنا فقط المحتاجين إليهم، بل هم أيضاً محتاجون إلينا, لأنا قدرنا وقدرهم أن الله عز وجل جعلنا معاً في بيئة جغرافية واحدة, بحيث لا يستطيع أحدنا إلغاء جوار الآخر بأي طريقة كانت.

ولأن اليمن يعيش منعطفاً خطيراً لا يمكن أن يتجاوزه بمفرده لأن اللاعبون ليسوا يمنيين فقط, بل تداخلت وتشابكت المصالح, حتى غدا ما كان يسمى بالأمس تدخلاً في شؤون الدول الأخرى أصبح اليوم نوعاً من المساعدة في الحل.. ولأن اليمن مقدم على مؤتمر الحوار الوطني كان لزاماً تهيئة الأجواء الداخلية والخارجية في آن واحد.

وكون الشقيقة قطر ساهمت في بداية الأزمة في السير بها نحو زاوية معينة - وإن لم يكتب لها النجاح التام - إلا أنها ظلت عنصراً مؤثراً لا يمكن لأحد الغاءه أو اقصاءه.. من هذا المنطلق مثلت الزيارة بداية عودة اللقاءات الرسمية على أعلى مستوياتها - رئاسة الدولتين - مما يعني إستشعار البلدين بضرورة الإلتقاء من أجل تهيئة الحوار الوطني المزمع انطلاقه, نظراً لما تملكه قطر من تأثير على أطراف معينة, مثلما للشقيقة - السعودية - تأثير على أطراف أخرى.

ومن خلال رؤية الوفد المرافق لرئيس الجمهورية يتضح بأن لجنة الإتصال كانت حاضرة، وهي المعنية بالتهيئة للحوار الوطني، مما يدل على أنه تم التطرق للعوائق التي قد تقف امام انعقاد المؤتمر والتي تستطيع قطر بثقلها - لدى البعض - من التسريع بانعقاده، وحلحلة الأمور والسير نحو الإنفراج بإذن الله.

إن ما يحتاجه الشعب اليمني من قطر وغيرها من دول الجوار, أن تساعده كشعب لا كقيادة وأحزاب, فقد أثبتت الأزمة التي مررنا بها أن الشعب هو الباقي، وكل أولئك زائلون, وأن الدعم المقدم من الدول الأخرى للأفراد والجماعات, لم يترتب عليه سوى استقواء البعض على هيبة الدولة المركزية، وبالتالي إضعافها, مما سبب على المدى البعيد خوف دول الجوار من التهديدات القادمة من اليمن جراء ضعف الدولة وانقسام الجيش وزيادة نسبة الفقر والبطالة، وانتقال الإرهاب الى دولهم.

تستطيع اليمن ودول الجوار بناء شراكة حقيقية بين الطرفين, شراكة قومها العلاقات بين الدول كشعوب, لا العلاقات بين الحكام والجماعات, لأن اليمن الذي يتكون مما يزيد على 25 مليون لا يستفيد أبدا من دعم بعض الدول لأفراد معينين ولو على شكل أحزاب أو منظمات.. فالنتيجة التي وصلنا إليها أن الهوة التي وصل إليها اليمنيون تركزت في شيئين رئيسيين أولهما الفساد الكبير، وثانيهما عدم توجيه دعم دول الجزار الى الشعب اليمني.

الفرصة الآن مواتية أمام اشقاءنا من دول الجوار للعبور باليمن - كشريك وليس تابع - نحو بر الأمان, فاليمن يمثل عمقاً استراتيجياً لهم وخزانا بشرياً يستطيعون به - الى جانب التعمير- إيقاف أي مد يهدد أمن واستقرار الجزيرة والخليج على حد سواء.

ولهذا لإن إنجاح دول الجوار لمؤتمر الحوار يعد استثماراً آمناً لهم قبل أن يكون لنا, فاليمن إذا ما استقر وضعها السياسي فإنها تستطيع أن تستقبل المساعدات الاقتصادية - الموجهة للشعب فقط- كما أن المعضلة الأمنية التي تؤرق دول الجوار لا يمكن حلها إلا إذا ساهم الأشقاء في التئام الجميع حول طاولة الحوار الوطني من دون شروط مسبقة أو إستبعاد لأشخاص أو أحزاب أو منظمات.

ولكي تكون الشراكة مثمرة فينبغي على الدول - التي تريد مساعدة الشعب اليمني - إحترام خياراته حتى وإن كانت على غير هواها، فالشعب فقط هو من سيحدد طريقة وشكل الحكم القادم، وهو فقط من عليه اختيار قياداته, لأنه متى ما أراد استبدالها –في حالة تقصيرها- فلن يثنيه عن ذلك أحد، كما لن يستطيع أحد كذلك إجباره على شيئ.

إذاً فكما لا نستطيع الاستغناء عن جيراننا، لا يقدرون هم أيضاً العيش آمنين مطمئنين بدون أمننا واستقرارنا، وهي بلا ريب معادلة عادلة تؤسس لشراكة حقيقية قائمة على تبادل المصالح المشتركة، والإبتعاد عن كل ما يعكر صفو العلاقات بيننا جميعاً، ولا كبير إلا الله.