متطلبات نجاح الحوار الوطني


د / محمد حسين النظاري - أستوقتني جملة المطالب التي أعلنتها اللجنة الفنية للإعداد والتحضير لمؤتمر الحوار الوطني، والتي حصرتها في عشرين نقطة, قالت أنها كفيلة بإنجاح المؤتمر، والتي رفعتها بدورها للأخ رئيس الجمهورية من أجل إصدار توجيهاته بإتخاذ الإجراءات الميدانية والعملية لتنفيذها، وعند التمعن في جملة المطالب العشرين سنجدها مهمة وإلم تلبي جميع المطالب إلا أنها أتت على الأهم مما سيخلق جواً يساعد على إنطلاق فعاليات الحوار الوطني.

فكما رأت اللجنة إستمرار التواصل الجاد مع كافة مكونات الحراك السلمي الجنوبي في الداخل والخارج ودعوتها للمشاركة في الحوار الوطني، وهي نقطة مهمة ولأهميتها كانت هي أولى المطالب, فلا نجاح للحوار من دون المشاركة الفاعلة لمكونات الحراك السلمي سواءً المتواجدون في الداخل أو الذين ما زالوا خارج الوطن.

إعادة الموظفين المدنيين والعسكريين والموقوفين والمحالين قسراً إلى التقاعد والنازحين في الخارج جراء حرب صيف 94 إلى أعمالهم فوراً، ودفع مستحقاتهم القانونية، وهي المسألة الرئيسية التي أججت المشاكل والتي خلقت حراكا في المناطق الجنوبية, بالإضافة الى معالجة الأوضاع الوظيفية والمالية لمن فقدوا وظائفهم نتيجة لخصخصة المؤسسات العامة بشكل غير سليم بعد حرب صيف 94، وكذا تعيين موظفين من أبناء الجنوب في المؤسسات المركزية ودواوين الوزارات في صنعاء وبما يلبي شروط الشراكة الوطنية.

ظلت الممتلكات التي تم الاستيلاء عليها بعد حرب صيف 94م - سواء كانت خاصة بالأفراد أو الأحزاب أو النقابات أو الدولة - الهم الأكبر الذي جعل الناس في المناطق الجنوبية يشعرون بالجور، ولهذا فإن إرجاعها لأصحابها من المطالب الهامة التي تزيل الاحتقان لأنها تمنح الأولوية في الانتفاع لأبناء المحافظات الجنوبية, كذلك إعادة الأراضي الزراعية التي كانت مملوكة للدولة.

ولتنقية الأجواء كان إقتراح إطلاق سراح كافة المعتقلين على ذمة الحراك السلمي الجنوبي، ومعاملة كافة ضحايا حرب 94 والحراك السلمي الجنوبي كشهداء ومعالجة الجرحى ودعم وتكريم أسرهم، أمر في غاية الأهمية كونه يلغي من أذهان البعض صورة إستباحة الجنوب.

نحن بحاجة أيضاً الى إلغاء ثقافة تمجيد الحروب الأهلية والدعوة إلى الثأر, كما جاء عن اللجنة، والإنتقام السياسي في مناهج التعليم، ومنابر الإعلام والثقافة، وإزالة مظاهر الغبن والإنتقاص والإقصاء الموجهة ضد التراث الثقافي والفني والاجتماعي للمناطق الجنوبية والتي تعرضت للطمس والإلغاء، وعلى وجه الخصوص بعد حرب صيف 94، ووقف تغذية الحروب والصراعات في كتاف وحجة وغيرها من المناطق وتأمين طريق صنعاء صعدة ومنع كافة أنواع التقطعات.

كما كان مرتقباً - من العقلاء - أوصت اللجنة بتوجيه إعتذار رسمي للجنوب من قبل الأطراف التي شاركت في حرب صيف 94 واعتبار تلك الحرب خطأ تاريخيا لا يجوز تكراره، ولعل هذا البند هو المرتكز الرئيسي، وبه ستذوب كرة الثلج التي كبرت مع الأيام بسبب ما حدث سابقاً, الى جانب توجيه إعتذار رسمي لأبناء صعدة وحرب سفيان والمناطق المتضررة الأخرى من قبل الأطراف المشاركة في تلك الحروب، وإعتبار تلك الحروب خطأ تاريخيا لا يجوز تكراره وإعادة أعمار ما دمرته تلك الحروب من منازل ومساجد ومؤسسات وطرق وتعويض المتضررين، ولعل ذلك سيسهم في تصفية النفوس.

الأيام - كشريك إعلامي مهم - أنتظر الجميع عودتها للساحة خاصة بعد رحيل ناشرها با شراحيل يرحمه الله، ومن هنا فقد وفقت اللجنة من خلال توصيتها بمعالجة قضية مؤسسة صحيفة الأيام وتعويضها عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها نتيجة للتوقيف التعسفي وسرقة بعض ممتلكاتها وضرورة معالجة قضية حارسها.

الفساد هي الطامة الكبرى التي أفقدت الدولة هيبتها وبددت مقدرات الأمة، ولهذا فإن تغيير القيادات الإدارية في المؤسسات والمكاتب الحكومية في الجنوب وفي كل مؤسسات الدولة ممن ثبت فسادهم وسوء إدارتهم وذلك للمساعدة على خلق مزاج إيجابي في الجنوب سيسهم من دون شك في تعزيز الاقتصاد الوطني وعودة ثقة المستثمر الأجنبي فيه من جديد.

آفة الآفات يتمثل في حشر الدين في الخلافات السياسية، ولذا من المنطقي العمل على وقف التحريض الطائفي والمذهبي والمناطقي وإلغاء ثقافة تمجيد الحروب الأهلية تحت مبررات مذهبية وطائفية في وسائل الإعلام والمساجد ومناهج التعليم، والاعتراف بالتعددية المذهبية، ولكي يتحقق ذلك ينبغي العمل على وقف كافة إجراءات العقاب الجماعي بحسب اللجنة ضد أبناء صعدة، وفتح منفذي البقع وعلب أمام صادرات المنتجات الزراعية فوراً، واعتماد الدرجات الوظيفية المخصصة للمحافظة، وإعادة الموظفين المدنيين والعسكريين الموقوفين قسرا جراء الحروب السابقة إلى أعمالهم ودفع كامل مستحقاتهم القانونية، ومعاملة كافة ضحايا حروب صعدة كشهداء، ومعالجة الجرحى وتعويضهم، مع الإفراج الفوري عن بقية المعتقلين على ذمة حروب صعدة والكشف عن المخفيين قسراً سواء كانوا أمواتا أو أحياء.

قانون العدالة الانتقالية كان وما زال مطلباً ذات أبعاد كبيرة كونها سيسهم في إزالة الإحتقانات وإعادة الحقوق لأصحابها، ولذا فقد رأت اللجنة تسريع إصدار قانون العدالة الإنتقالية بالتوافق بين مكونات العملية السياسية ومنظمات المجتمع المدني ذات العلاقة، وبما يتوافق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمعايير الدولية للعدالة الانتقالية، وكذا تفعيل قرارات وتوجيهات رئيس الجمهورية بشأن الإفراج عن المعتقلين على ذمة الثورة الشبابية الشعبية السلمية وكافة المعتقلين خارج إطار القانون ومحاسبة المتسببين في ذلك، مع الإسراع في تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة ومستوفية للمعايير الدولية، للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي حصلت في العام 2011 من كافة الأطراف.

ولأن الجيش هو الحامي الحقيقي للوطن وليس للأفراد، وللمتلكات العامة والخاصة في آن واحد فمن غير المنطقي أن يظل مقسماً، فتقسيمه يساعد كل متربص بالأمن من إحداث البلابل ورميها على الطرف الآخر، ولهذا فمن المهم التسريع بهيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس مهنية ووطنية.

هذا النقاط تعد مدخلاً مهماً للبدء في حوار وطني وشفاف يتسع للجميع تحت سقف الوحدة الوطنية, فينبغي على الجميع أن يغلب المصلحة الوطنية وألا تأخذه العزة بالإثم, فالحوار يستوجب عدم التعالي، وجعل الحقوق والواجبات متساوية بين الجميع, فنتمنى للحوار الوطني النجاح لأنه المنفذ الوحيد للعبور بالوطن نحو بر الأمان.