من أجل تعز نظيفة وجميلة


خالد حسان - أخيراً بدأت تعز تتنفس الصعداء مع تدشين حملة إخلاء الشوارع من البسطات والعربيات (الباعة المفرشين) ونقلهم إلى الأماكن والأسواق المخصصة لهم, بعد أن اكتسحت هذه البسطات والعربيات أغلب الشوارع وحولتها إلى ما يشبه ممرات ضيقة بالكاد تتسع لمرور المركبات والراجلين، وقد كان لهذه الحملة نتائج إيجابية ملموسة خاصة في قلب المدينة (منطقة السوق المركزي) وأيضاً مدخل المدينة الغربي (منطقة بير باشا) اللتين كانتا تعانيان إزدحاماً شديداً وخانقاً, حيث أوجدت إنسيابية ملحوظة لحركة المرور في هاتين المنطقتين وفي المدينة بشكل عام.

وبقدر أهمية هذه الحملة, فإن ما نتمناه هو أن يتواصل تنفيذها بنفس الروح والعزيمة والإصرار لا أن تتلاشى شيئاً فشيئاً "كسابقاتها", خاصة وأن التراجع أمر مألوف لدينا, فكل ما يتم إتخاذه من إجراءات دائماً ما تشيخ مع مرور الوقت, حيث تبدأ قوية وتضعف تدريجياً لتصل في النهاية إلى مرحلة الوهن وتصبح بلا جدوى، وينطبق عليها المثل القائل "كأنك يا بو زيد ما غزيت"، وهي مسألة - برأيي - تتطلب من الجميع التعامل مع الشارع بذوق وأخلاق وسلوك حضاري سواء إختيارياً أو إجبارياً بقوة القانون.

ومن أجل أن تحقق الحملة النتائج المرجوة منها فلا بد من ضمان إستمرارية تنفيذها، وأن تكون هناك إجراءات عقابية رادعة ضد كل من لا يتقيد بهذه الإجراءات حتى يعتاد الجميع عليها ويألفون الالتزام بها كسلوك حضاري يومي، وهو ما أفتقدناه خلال الأيام القليلة الماضية, فرغم أنه لم يمر على بدء تنفيذ الحملة سوى أيام قلائل إلا أننا بدأنا نلحظ عودة بعض المفرشين إلى شوارع المدينة والخوف أن يستمر التراجع تدريجياً حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه، وهو أمر عادة ما يحصل عقب تنفيذ كل حملة, حيث يتم التراخي في التنفيذ ومع مرور الأيام تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً هذا إن لم تزدد حدة. 

أما ما يبعث على الإستغراب فهو أن بعض من كانوا إلى ما قبل بدء تنفيذ هذه الحملة ينادون بضرورة إتخاذ إجراءات فورية والضرب بيد من حديد للقضاء على كل المظاهر والسلوكيات السلبية في المدينة, هؤلاء البعض وما إن باشرت الجهات المعنية بإزالة أحد أسباب الفوضى والازدحام الخانق الذي ترزح تحته المدينة حتى بدأوا الغمز واللمز حول عدم صوابية هذه الإجراءات تحت مبرر أنها تستهدف قطع أرزاق أصحاب البسطات والعربيات (الباعة المفرشين), مع أنهم يدركون جيداً أن الهدف الأساسي منها هو تنظيم المدينة والقضاء على مظاهر الفوضى والعشوائية التي تشوه وجهها وجمالها ولا علاقة لها بما يحاولون تسويقه من مبررات كاذبة، وكأني بهؤلاء لا يريدون أن تتمتع المدينة ببيئة نظيفة وجميلة وتتخلص من كل المظاهر الفوضوية والعشوائية. 

صحيح أنه لا أحد ضد أن يبحث هؤلاء الباعة عن أرزاقهم وأن الحملة لا تهدف إلى محاربتهم في مصدر رزقهم الذي تعتاش عليه العديد من الأُسر، لكن بالمقابل لا أحد يرغب ببقاء المدينة تحت رحمة مثل هذه المظاهر والممارسات المتخلفة التي لا تراعي حق الطريق وحق الناس في الشعور بالأمان أثناء سيرهم فيه وتحرمهم من قضاء حوائجهم وأعمالهم ومصالحهم، ولا أحد يرغب أن تصل الأمور في شوارع المدينة إلى هذه الدرجة من الفوضى والعشوائية, فالأمر برمته لا يحتاج سوى بعض التنظيم والترتيب ووضع المعالجات المناسبة التي تحفظ حق أصحاب البسطات في الحصول على أرزاقهم وأيضاً حق مستخدمي الشارع في عدم عرقلة أعمالهم وقضاء حوائجهم خصوصاً مع ما يعيشونه من معاناة بسبب الفوضى والازدحام الخانق الذي تغرق فيه شوارع المدينة. 

إن هذه الحملة التي تأتي في إطار خطة شاملة تستهدف تنظيم تعز وإستعادتها لوجهها الحضاري الجميل لن تقتصر على أصحاب الفرشات والبسطات ـ كما يروج له البعض ـ بل ستشمل إزالة كل المظاهر السيئة التي تشوه وجه المدينة ومنها إنتشار المظاهر المسلحة والانفلات الأمني والنظافة وتفاقم الاستخدامات الفوضوية والعشوائية للشوارع، وغيرها من المظاهر التي تلقي بظلالها الكئيبة على تعز الأنموذج الأروع في التمدن والوعي والثقافة، وهي الخطة التي يجب أن تحظى بمساندة الجميع ودعمهم لأن لا أحد يريد العيش في أجواء فوضوية وعبثية.