ثورة التربية و التعليم (1)


محمد عمر الضرير - ونحن نعيش أجواء الثورة اليمنية بتواريخها المحفورة في ذاكرة ووجدان الشعب، ورغم كبر التضحيات في قريبها وبعيدها, إلا أن المؤلم أن طموح المخلصين والشهداء في الوصول بالوطن لمراتب العزة والرقي، وتجديد الإرث الحضاري، وإنتشال البلد من واقعه البئيس لازال يحتاج إلى مزيد من الجهود.

صحيح تحقق شيء من النهوض, لكنه غير كاف خاصة أن الكثير من البلدان ممن لا يملك ما تملكه اليمن من مقومات الحضارة والثروة البشرية والطبيعية قد فاقتنا تقدما وتطوراً. 

وصحيح أن الأشقاء و الأصدقاء لازالوا يقفون مع اليمن بحسن نية أو لمصالح ذاتية إلا أن معظم وجوه تعاونهم بمثابة المسكنات الموضعية، أو الترقيعات الضرورية, إذ لا يمكن أن يكون غير اليمنيين أرفق وأحرص على اليمنيين من أنفسهم، وليس إستهانة بضخامة ما قدمه الأشقاء والأصدقاء على مدى العقود الماضية، ولا إنتقاصاً لجهود الوطنيين الشرفاء, إلا أن اليمن واقعاً لازال يحتاج إلى أم الثورات وأهمها إنه يحتاج إلى ثورة التحرر الفكري ثورة العلم والمعرفة التي لا سبيل غيرها لتحقيق دولته المدنية الحديثة، وأساس ثورته تنطلق من التربية والتعليم.

خمسون عاما مضت ولا زال خمسون شيخا يملكون الشعب بأكمله حتى قال بعض الغربيين: أذا أردت تحريك 25 مليون يمني فعليك التواصل مع خمسة وخمسين شيخاً.

أليس معيباً في حق شعب العراقة والحضارة والإيمان والحكمة أن يراه الآخرون كقطيع ماشية؟! ألا يخجل المتسلطون أن تظل هذه الصورة مشاهدة من كل سكان البسيطة؟!
وألا يخجل من يدعم هؤلاء في الداخل والخارج من مَنْهَجَةِ ظلم شعب بأكمله؟!
ثم أليس الجهل والتخلف واستعباد القبيلة من أدخلنا بواسع هذه الصورة المزرية؟!
ألم يدق أبو الأحرار الزبيري- رحمه الله - ناقوس الخطر في ذلك منذ ما يقرب من نصف قرن في قوله:

و الشعب لو كان حياً ما أستخف به    فرد ولا عاث فيه الظالم النهم

والحياة والموت عند البلاغيين تشبيه للعلم والجهل كما هو معلوم، وها قد مرت عدة عقود ولازال جرس الزبيري يرن مُصِمًّا الآذان، ولا زلنا نقبع في خانة التخلف، ولعل التطور البسيط الناتج من وثاقة الفساد بالتعليم أرتقى بنا إلى خانة التجهيل القهري.

الوضع خطير جداً, فهو أخطر من أي مصيبة سياسية أو حقوقية بل وحتى الحربية لأنه يتعلق بالمستقبل المنشود الملبي لتضحيات النبلاء والشهداء، وأستذكر هنا إشارة عميقة الفكر غائرة الهدف من مفكر عالمي ثاقب النظر، وذلك أن بعض الصحفيين توجه للمفكر والفيلسوف الفرنسي الأشهر جان جاك روسو، وسألوه: كيف ترى مستقبل فرنسا بعد خمسين عاما؟ فأخذ بيد سائليه إلى أقرب مدرسة وأشار إلى طلابها قائلا: هؤلاء فرنسا بعد خمسين عاما.

فالمؤكد أنه لا مستقبل مشرق لليمن إن لم تقم ثورة للتربية والتعليم تستنهض جميع مكونات العملية التربوية التعليمية: معلماً ومتعلماً ومناهج وإدارة... بل و حتى المباني والمنشآت التعليمة. 

أستعرض هذا الخطر وقد صدر من معالجة شكلياته قبل عدة أيام القرار رقم ( 426 ) لسنة 2012م, قررت بموجبه زارة التربية والتعليم اليمنية: منع إستخدام العقوبات النفسية والجسدية ضد الطلاب في كافة مدارس الجمهورية، وهذا في حد ذاته جيد في تماهيه مع سليم الأساليب التربوية, لكنه قاصر في بنيته وموضوعه, لأنه بكل بساطة ينتقل من أرضية المسببات قافزا إلى سقف النتائج، ودون مراعاة المقابل, فما يقابله وخاصة في واقع تعليمنا البئيس مما أصبح عليه الطلاب من التسلط واهتراء السلوك، وكم نشرت الصحافة من أخبار إسعاف الأساتذة للمستشفيات لإعتداء بعض طلابهم عليهم، وما لم ينشر أكثر وأخطر، وما ذاك إلا نتاج بسيط يؤكد مدللا على ما وصل إليه مستوى العملية التربوية التعليمة من الانحدار الخطير.

أليس من الأجدى قبل إستصدار القرار معالجة أسباب الظاهرة ؟! وإذا إعتبرنا القرار علاجا لظاهرة واقعة, ألم يكن من الحكمة تأمل واقع التخلف والجهل, فيخُشى من آثار إنعكاسه بإهتزاز ما تبقى من هيبة المعلم المثلومة أصلاً, خاصة أن بعض الطلاب من سوء السلوك المتوارث مالا يردعه رادع غير الضرب, فأي شيطنة سيصل لها بعد علمه بتكبيل معلمه, ثم ألا يُخشى من تأثير ذلك على من تبقى مهذباً من الطلاب وهو يشاهد زملاءه في مدرسة الشغب لا يردعهم شيء، ويوماً بعد يوم تفقد هيبة المعلم كلية,  فإن كان ولابد من إمضاء القرار, ألم يكن من الحكمة أن يبلَّغ به المعلمون في جلسات إجتماع خاص بمدارسهم، ولا يُنشر على الملاء فيستغله من يشاء من شياطين الطلاب بل وغيرهم ممن قد يغريهم فيتعامل مع معلمه كند، خاصة لو أستحضر واقع مدارسنا المأساوي.

نريد الوصول الى عدم إستخدام العقوبات النفسية والجسدية ضد الطلاب, لكن ليس بقرارات تفرض، وإنما بإقتناع علمي وسلوك تربوي. 

وهذا بحاجة  لتوصيف الظاهرة والنظر في مسبباتها، وذلك ما سأبتدئه في قادم حديثي، ولازال حال مؤسستنا التعليمية المؤلم يحتاج إلى كثير حديث وكبير إهتمام، ولازلت لم أدخل إلى صلب الموضوع الثوري التعليمي، وهو ما سأتناوله بعون الله في الجزء الثاني من المقال, فلا عدمت متابعتكم.