اكتوبر اكثر من ثورة


د / محمد حسين النظاري - من اكتوبر ليس يوماً عادياً في حياة اليمنيين, ففيه قبل 49 عاماً دحر اليمنيون إحتلالاً بريطانياً دام 13 عقداً, تجرعو خلالها صنوفاً عدة من الاذلال والقهر، وليس أكثر من تقييد الحرية قهراً ومهانة، ولهذا فإن يوم الخلاص كان غالياً, حيث قدمت اليمن من أجله قوافل من الشهداء توجوا جهادهم ضد المستعمر بتحرير الأرض والإنسان.

ولهذا فإن اكتوبر يعد لدى اليمنيين أكثر من ثورة, فهو إلى جانب كونه يومإ قتلاع المحتل من أرض ظن تخليده بها جاء إمتداداً لثورة سبتمبر ليفتحا معاً النافذة الكبرى التي يحلم بها اليمنيون ألا وهي تحقيق الوحدة اليمنية, فقد كانت الركيزة الأساسية للثورتين إعادة لحمة الأمة اليمنية شعباً وأرضاً.

جبال شمسان وردفان شهدت كيف أستطاع اليمنيون دحر الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس, فمن عليها أنطلقت شرارة ثورة أكتوبر المباركة، وأنتشرت بعدها إلى كل مدينة وقرية في جنوب وطننا الحبيب لإستشعار المواطنين بأن باب الحرية ينبغي فتحه خاصة وأن أخوتنا في شمال الوطن أنهوا حكم آل حميد الدين معلنيين قيام الجمهورية العربية اليمنية، وهذا بحد ذاته مثل حافزاً لقيام جمهورية اليمن الديمقراطية ليتأكد بذلك أن النهج واحد وهو الخلاص من الإستبداد، وإعطاء الإنسان اليمني حريته وكرامته في كلا الشطرين.

التاريخ اليوم يعيد نفسه بعد ما يقارب الخمسة عقود على قيام الثورتين المجيدتين، فاليمني اليوم يعيد نفس الدور الذي لعبه أجداده في النضال، ويمضى في تغيير سلمي، جاء حتمياً للقضاء على كثير من الاختلالات التي رافقت قيام الثورتين، وإن كانت الثورتان قد حققتا أهم أهدافهما بقيام الجمهورية اليمنية كمطلب أرتكز في الأساس على ما بذله الشهداء قبل 50 عاماً.

من قدر اليمنيين أن يأتي إحتفالهما باليوبيل الذهبي لثورتيهما، مع المتغيرات الإقليمية التي ساهمت في أن يسهموا من جديد في إعادة بناء جسور التواصل المبني على المساواة في الحقوق والواجبات والتسليم بأن دولة الوحدة أنشئت بين شطرين, بحيث يسود العدل في كل شيئ حتى تستطيع الوحدة المباركة أن تمضي قدماً، ولن يكون ذلك بغير الاعتراف الحقيقي بالأخطاء التي وقعنا فيها جميعاً، مع رد المظالم لأصحابها.
ثورة أكتوبر اليوم تسير مع ثورة سبتمبر في نفس الطريق الذي يريد اليمنيون أن يبلغوه.. الطريق الذي كان معبداً منذ قيام الوحدة، إلا أن ما رافقه جعل أمام اليمنيين مفترق طرق، وهم اليوم يعيشون هذه اللحظات الصعبة التي على ضوء ما ستسفر عنه ستتحد ملامح المستقبل.

العزيمة والقوة التي أظهرها أباءنا وهم يحققون الثورتين المجيدتين, هي الملهم الذي ستعطي اليمنيين اليوم النَفَس لإكمال مسيرة الوحدة التي ضحى من أجلها الشهداء، والتي عانى اليمنيون كثيراً وضحوا حتى تبقى السقف الذي يستظلون تحته، ولذا فهم لن يتنازلوا عن الوحدة لإدراكهم أنها السبيل الوحيد ليمن آمن ومستقر.

إن من صنع سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر ومايو، هو ذلك الشعب الذي لن يفرط في دماء الشهداء، ولن يدع فرصة التغيير الحقيقي تمر دون أن يستثمرها أيما استثمار، ولذا فلن تضيع تضحيات من سبقونا سدى، وسيسمضي اليمنيون في سبيل التغيير المرتكز على ما تم انجازه خلال السنوات الماضية، وسيشرعون في فتح صفحة جديدة مبنية على المكاشفة تحت مظلة الحوار الوطني، من خلال طرح جميع القضايا، واليمن بمساعدة الاصدقاء والاشقاء وبعزيمة الرجال الصادقين قادر على تخطي هذه المرحلة، شريطة النظر الى المستقبل بعقل يقبل الاخر، ولا يلغي الا من يريد ان يلغي نفسه بنفسه.

رحم الله شهداء ثورة اكتوبر الخالدة وأسكنهم فسيح جناته، وحقق الله للوطن ما قدموا أرواحهم الغالية رخيصة من أجله، وجمع الله شمل اليمنيين تحت مظلة الاخاء والتسامح, عاشت اليمن موحدة مستقرة، وعاش الشعب اليمن العظيم في رخاء وازدهار.