في تعز .. يُطارد الموت الحياة !!



 منال الأديمي - يطل الصيف على الحالمة الآمنة في أحضان صبر برفقة زائر مرعب وثقيل يحصد من أرواح أبنائها الكثير فيتركها حزينة موجوعة في خيرة شبابها وكوادرها.

(حمى الضنك) ذلك الأسم المرعب الذي ما إن يتم نطقه فقط حتى ينتابك الخوف والهلع من فقد عزيز.

منذ نهاية التسعينيات وهذا الفيروس يحصد أرواح المئات في ظل تجاهل ولا مبالاة من قبل الجهات المختصة, فتمر علينا كارثة حمى الضنك في غفلة متعمدة وإهمال مقصود من وزارة الصحة والجهات المختصة بمكافحة الأوبئة والأمراض والتي تغض الطرف عن تلك المناطق المنكوبة والمتضررة من تلك الحمى, فيغادرنا الصيف كما جاء برفقة تلك الخبيثة التي لا تغادر وحيدة كما جاءت ويقف أهالي الحالمة على مشارف صبر يودعون أرواحاً ذهبت ولن تعود.

ما إن تنتاب الحمى عزيزاً لك في الصيف حتى يكون ذلك إيذاناً ببدء مشوار الغموض والعجز عن التشخيص الصحيح للمرض والمعاملة اللاإنسانية, فعلى أعتاب المشافي الخاصة تبدأ بفتح "شيك على بياض" للمستشفى ويبدأ الأطباء هناك في تجربة كل المضادات والأدوية حتى يتم الشفاء برحمة من الله أولاً وبالصدفة الطبية ثانياً وبعد الشفاء يبدأ المريض في إنتكاسة ما بعد معرفة حساب المستشفى خصوصاً إن كان حظه سيئاً، وزار في تلك الإقامة المكلفة جداً غرفة (العناية المركزة) فيتعدى حسابه غالباً النصف مليون فأكثر هذا إن حالفه الحظ وشاءت الأقدار أن يمر منها بسلام ويبقى على قيد الحياة وإلا فهو الموت وخراب الديار كما يقولون.

أما إذا كان المريض ممن لا حول له ولاقوه وليس لديه ما يبيعه ليدفع للمشافي الخاصة فإنه يذهب مكرهاً إلى المستشفيات الحكومية وهناك يدرك أن فيروس الحمى سيكون أرحم به بكثير من حمى الفساد والإهمال وإنعدام الرحمة, هذا إن عثر على سرير شاغر لينام عليه مع أوجاعه المبرحة التي تسببها تلك الحمى اللعينة ليدرك حقيقة أن الموت أفضل بكثير من الحاجة لخدمات مشافي الموت تلك.

قبل شهر أو أقل فقدت تعز والثورة الشبابية أحد رموزها العظيمة المهندس الشاب "عمار الكناني" بهذه الحمى الخبيثة ..عمار أسد الساحة ..عمار الذي لم يدخر جهداً في التصعيد الثوري والتضحية, عمار المتواجد دوماً في مقدمة المسيرات الشبابية, عمار الذي لم يترك الساحة حتى في الأيام التي كانت فيها مدرعات وآليات الثلاثي (قيران, ضبعان، والعوبلي) تدك المدينة, عمار المعتقل لدى الحرس الجمهوري إبان زيارة مبعوث الأمم المتحدة للعاصمة بعد محرقة الساحة أنتهى عمار بعد كل هذا الكفاح وسقط شهيد الحمى بعد أن عجز الظلم والإجرام أن ينال منه فنال منه الفساد والإهمال, فتوقفت آخر أنفاس العزة و الكرامة والحرية فيك عمار…
فلتتغمد روحك الطيبة الرحمة، وليلهمنا الله وأهلك الصبر والسلوان فيك وفي كل من سيمضي بهذه الحمى الملعونة دون أن تهتز ضمائر أهل الحل والربط .


تراكم القمامة ومخلفات الصرف الصحي في الحالمة تزيد من إنتشار هذه الحمى والعدوى في ظل غياب وتقاعس الجهات المختصة في رش المبيدات للقضاء على الناموس والبعوض وإزالة تراكمات القمامة أولاً بأول, علَّ ذلك يحد من إنتشار المرض والعمل بجد مع الإستعانة بخبراء لإيجاد مصلٍ فعال لذاك الفيروس القاتل.

لكننا وللأسف في بلد تقوم الدنيا فيه ولا تقعد لتشوه وجه "دكتاتور عجوز" أو إصابة مسؤول ما بصداع نصفي وتصرف منح وتذاكر العلاج بفساد ومحسوبية, بلد تصرف الدولة فيه على مجال الأسلحة والتسلح ما يعادل الــ (250) طلقة لكل شخص وفي المقابل دولاران فقط لكل شخص في مجال الرعاية الصحية.

في ظل هكذا حقائق مخيفة يبدو أننا سنظل ننتظر الصيف بخوف وترقب حين ترافقه تلك الصفراء المقيتة (حمـــى الضنك).