شرف التعليم العالي



د / حسين النظاري - لست بصدد الحديث عن من يتولى حقيبة التعليم العالي، وعن أحقية أن يكون القائم عليها من أهل القطاع، وهذا هو المنطقي, لأن أهل مكة أدرى بشعابها كما يقول المثل المعروف، ولكن هل كان أهل مكة الوزراء الأكاديميون فعلاً أدرى بشعابها؟ سؤال تفرضه علينا معطيات عديدة أولها إضراب اساتذة التعليم العالي في الجامعات، ومطالبة بعضهم بإجراء انتخابات في ظل عدم وجود قانون، وثانيها رفض الطلاب والاتحادات التي يندرجون تحتها مواصلة الدراسة، ومن بين المشاكل التي ما زالت عالقة مسألة الإستمرارية التي تقدم بها ما يقارب 700 طالب وطالب لمواصلة دراستهم العليا في شتى التخصصات وفي مختلف البلدان.

إن كل إشكالية من تلك الإشكاليات كفيلة بإرباك عمل أي وزير قادم من أي جامعة حكومية، فما بالنا بالمهندس هشام شرف الذي لم يمضي على تسلمه العمل سوى بضعة أيام!، ولهذا فإن من غير الإنصاف إرباك الوزير الجديد بهذا الكم الكبير من المعوقات, مع أن ذلك لا يعفيه من أن يضع لها الحلول المناسبة، لأنه وبكل بساطة أصبح الوزير المختص.

من خلال أسبوع واحد استطيع أن أقول بأن الوزير شرف قادر على المواجهة وغير متهرب من المهام الموكلة إليه, فقد لاحظت قوة تصريحه بشأن إنتخاب القيادات الإكاديمية في الجامعات الحكومية، فهو لم يراوغ ولم يجب بدبلوماسية المتهرب بل قالها وبصراحة: لا يمكن إجراء انتخابات بدون وجود قانون يضبط العملية، وهو في ذات الوقت لم يلغ الفكرة من أساسها ولكنه حكمها بوجود القانون المنظم لها، ولا ضير في ذلك، طالما أن القانون هو المرجع.

من المشاكل الكبيرة التي تعاني منها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مسألة البث في الإستمرارية لمن تنطبق عليهم الشروط, فتأجيل البث فيها إما لنواقص تخص الطلاب أنفسهم وإما لعدم وجود بنود مالية تغطي نفقات استمرار إبتعاثهم رغم أنها في الغالب مقاعد مجانية، ويقتصر الأمر فيها على المنحة الشهرية للطالب، ومع هذا فكان للوزير الجديد موقف واضح حيث أكد أن الاسماء ستعلق في غضون ايام قليلة جداً، وكان سيعلقها حسب وعده غير أن نواقص بعض المبتعثين أرجأت العملية.

إذا ما أستطاع الوزير شرف حل مشكلة طلاب الإستمرارية فإن ذلك سيغلق على الوزارة طوابير الواقفين أمامها من طالبي الاستمرارية، مع أن رفض البعض لأسباب قد تكون منطقية من حيث المعايير الأكاديمية سوف يبقي باب الاعتراض مفتوحاً لأن إرضاء الكل غاية لا تدرك.

من محاسن الصدف ومساؤها في آن واحد أن الوزير باشر عمله مع انطلاق العام الجامعي, فمن المحاسن أن سيقف على عتبة الدخول على وضعه الأولي، أما المساوئ لأنه يتزامن مع دخول جامعي بمشاكل تدريسية وعمالية وطلابية مرّحلة من العام الفائت ولم يتم البت فيها، الأمر الذي يجعل إنسيابية بدء التدريس غاية في الصعوبة, فبعض الجامعات لا زالت لغاية الآن لم تنهي مقررات العام الفائت.

كما أن مسألة تعيين المستشارين الثقافيين والتي أوقعت الوزارة نفسها في حرج شديد بسببه من خلال الإعلان عن التعيين عبر المفاضلة، وها نحن نقفل الشهر التاسع ولم يرشح شيء عن نتائجها ولا عن الشركة التي قيل أنها عالمية لإختيار الفائزين من بين ألاف المتقدمين لثمانية مقاعد فقط، وهنا نقول للأمانة بأن الدكتور "يحيى الشعيبي" لم ينهي هذا الملف على النحو الذي كان يتمناه, فلا هو أبقى الحال على وضعه السابق ولا هو عمل بمبدأ المفاضلة، ولهذا فإن الوزير الجديد معني بإدارة هذا الملف على النحو الذي ينهي الجدل الواسع.

الوزير شرف بحاجة الى ميثاق شرف من جميع مكونات التعليم العالي من هيئة تدريسية ونقابة عمالية واتحادات طلابية، فهذا الثالوث هو المعني بإنجاح عمل المهندس شرف، فالوزير لا يملك عصاً سحرية ليحل المشاكل المتراكمة منذ سنوات، خاصة وهو جديد على هذا القطاع كوزير متخصص.

فالمطلوب من الجميع إعطاءه الفرصة الكافية لينظروا ما هو صانع مع مشاكلهم, فالرجل ومن خلال إشتغاله في وزارتي التجارة والنفط أبدى قدراً كبيراً من الجهد الذي لا ينكره أحد ولعل جهوده في وزارة الصناعة والتجارة شاهدة على تعاطيه مع كل الموضوعات بقدر عالٍ من المسئولية، وهذا ما نتمناه منه أن يواصل عمله في وزارة التعليم العالي بنفس النهج، لأنها وزارة مجهدة ومرهقة وشاكوها أكثر من شاكريها.

ولهذا نقول للمهندس هشام شرف ذلك الرجل البشوش الودود-: شرف التعليم العالي متوقف على جهودكم التي ينبغي أن تواصل ما بدأه الوزراء السابقون, فلا ينكر أحد الجهود التي بذلها الدكتور "صالح باصرة"، ولهذا فلا مناص من السير قُدماً في نهج إصلاح منظومة التعليم العالي، ويبقى السؤال المحيّر هل سيتعاون ثالوث التعليم العالي ,طلاب, موظفون, أساتذة مع الوزير الجديد؟ أم أن نهج المواجهة سيظل هو السلاح؟ وهل سيتطاعى الوزير بإيجابية مع مطالب كل فئة بحسب النظم واللوائح, لتسير العملية التعليمية .. أم أننا وللأسف الشديد مقبلون على عام جامعي مشابه للعامين السابقين بحيث يعلوا فيه صوت الجهل لا دراسة ولا تدريس حتى.

* الجزائر ودعمها المتواصل لطلابنا 
أزالت الجزائر الشقيقة يوماً بعد آخر تقدم لنا نماذج طيبة لتعاونها الكبير مع طلابنا الدارسين لديها, بالإضافة الى تقديمها للمنح مجاناً الى جانب الإطعام والإسكان والمواصلات بدون مقابل, واصلت دعمها لبلادنا في هذا الميدان حيث أستطاع القنصل على الجوفي أثناء لقاءه برئيس جامعة الجزائر الاستاذ الدكتور "الطاهر الحجار" الذي تواصل مع الجهات المختصة بوزارة التعليم العالي الجزائري ممثلة بالإستاذين "ارزقي سعيداني" و"جمال بلودان", بقبول طلابنا تخصص طب بشري، مما بعث في قلوبهم الفرحة بعد يأسهم من مواصلة التخصص في هذا المجال الذي يخدم بلادنا وتفتقر كثيراً الى مخرجاته الهامة.

وهنا نجدها مناسبة من أجل أن يوجه الأخ الوزير دعوة للجانب الجزائري لزيارة بلادنا وتقديم الشكر لهم على ما يقدموه لطلابنا، وتكاد تكون الجزائر هي الدولة الوحيدة التي تقدم هذا الكم الكبير من الخدمات لطلابنا فلهم منا كل الشكر والتقدير.