برشلونة العربي



د / يوسف الحاضري - عندما أعلنها صراحة "بني إخوان " في مصر الإسلامية بأنهم ملتزمون التزاما دقيقا بكل الاتفاقيات السياسية والتجارية والاقتصادية والأمنية والتمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل رغم مزايداتهم البغيضة التي سبقت أحداث فتن ومحن 2011م, لم نجد أي صوت عربي ينكر عليهم هذا إلا أصوات متفرقة وباستحياء بل أنهم باركوا هذا العمل وهذا الحدث وصفقوا له طويلا.

وعندما أعلنتها ليبيا الإسلامية صراحة وللملأ أجمع بأنهم يرحبون بالتمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي وبأن القضية الفلسطينية شأن داخلي بين فلسطين وإسرائيل لا دخل لنا بها  مرَّ هذا التصريح على العرب أجمع مرور الكرام وكأنهم يباركون هذه الرؤية بل يتمنونها في أرضهم ولكنهم مستحيين، وعندما قام أمير قطر الإسلامية باستقبال شمعون بيريز وليفنتي وفتح مكاتب تبادل تجارية بين قطر وإسرائيل وغير ذلك من أعمال متبادلة لم نجد لليوم من ينتقد هذه الأعمال وهذه الرؤى وهذه الأحداث، ولكن ؟؟ وما أدرائك ما لكن !!! لكن عندما تبعث مقاطعة برشلونة الإسبانية المسيحية بدعوة للجندي الإسرائيلي "شاليط" لمجرد حضوره لمباراة كلاسيكو بين نادي برشلونة ونادي ريال مدريد فهنا تقوم الكارثة في الوسط العربي ونجد العرب العاربة والعرب المستعربة والعرب المتأرتكة والعرب المتأمركة والكل بلا إستثناء يحد سكاكينه ويستنكر الخطوة التي قامت بها مقاطعة إسبانيا لا دخل لنا بهم ولا دخل لهم بنا بل إن الأمر يصل إلى حد مقاطعة النادي والتباكي على هذه التصرفات وإرسال رسائل إستغرابية وإستنكارية وكأن برشلونة تقع في البحر الأحمر أو تطل على قناة السويس أو أن أهلها ممن ينطقون الضاد أو لا أعلم ماذا أقول إلا أننا شعوب لا تقدر إلا على إرسال التصريحات والتباكي على أعمال الآخرين واتجاهاتهم بل أننا ننتظر متى يقدمون على خطوة ليجدوا ردود أفعال ويا ليتها كانت ردود أفعال بناءة أو إيجابية وإنما جلها ردود أفعال عاطفية آنية لحظية ثم تذهب أدراج الرياح واضعين ضمن مذكرات حياتهم أنهم نصروا فلان أو علان ذات يوم وبأنه كان لديهم ردود أفعال إيجابية ناجعة وناجحة.

هكذا العرب عودونا خلال ماضيهم القريب وحاضرهم الآني وأيضا سيكون منهجهم المستقبلي أن لديهم يد تبطش عندما يكون العدو "ضمن تصنيفهم" عدوا داخلي من أبناء جلدتهم ولديهم لسان تثرثر عندما يكون العدو "وفق تصنيفهم" عدواً خارجي.

 فأبناء إسرائيل نجدهم في جل المناطق العربية يسرحون ويمرحون ولديهم أجندات عديدة إما واضحة للجميع أو من خلف حجاب أو من تحت الطاولة ولا تكاد تخلو دولة عربية إلا ولديها علاقات مع بني إسرائيل مع وضعهم في الحسبان التصريحات الضرورية ضد هذا الكيان من قبل الدول والعربية وقاداتها من لحظة لأخرى لتهدأت النفوس العربية العاطفية التي تنفعل بكلمة وتسكت بكلمة, فلماذا هذا الإستغباء الجماهيري من قبل بعض وسائل الإعلام على موضوع برشلونة واستضافته لإسرائيلي رغم أنهم يكتسحون كل الدول العالمية ورغم أنها دولة لا تنتمي إلى جامعة الدول العربية ورغم أنها ضمن الكيان الأوروبي الذي في الأصل معترف بدولة إسرائيل وغير معترف بدولة فلسطين.

فنحن فقط شعوب تعودت على البكاء والنحيب من ظلم الآخرين لنا رغم أن لدينا معظم ثروات الأرض ونملك زاد بشري لا مثيل له (كما وليس كيفا) ولدينا منهاج هو المنهاج السليم في هذه الأرض ومع ذلك لا نتحرك في كل هذه الإمكانيات إلا عضو اللسان للكلام ولتصنيف الآخرين ولتشخيصهم ونحن متكئون على الأرائك في البيوت وننتقد إسرائيل وأمريكا ونحن نشرب منتجاتهم ونلبس مغزولاتهم ونستخدم مبتكراتهم ونشجع أنديتهم ولاعبيهم ومواهبهم وبالكاد نستطيع أن نتحرك إلى الحمام لنقضي حاجتنا قبل أن نعود إلى مخدعنا لنستمر في التحليل والتشخيص, فأتمنى ألا أجد سخافات عربية تتكلم في مواضيع الغير التي هي تعنيهم وننسى أنفسنا كمثل القاتل الذي مازالت يداه ملطختان بالدماء  فيجد شخصا آخرا يكذب فينتقده قائلا "أتق الله الكذب حرام".

 فهذا حالنا يدانا ملطختان بكل خزي وعار سوف يئن التاريخ أنينا من هذه المهزلة وننتقد كيان آخر أوروبي لأجل تصرف تصرفا هم أحرار في هذا العمل, فيا أمة ضحكت من جهلها وسذاجتها وعمالتها الأمم.