إنهم ينفذون المبادرة الإيرانية وليس الخليجية (1-2)



عادل الأحمدي - منذ بداية الجهود المتعلقة بتحقيق المبادرة الخليجية في اليمن التي قدمها قادة دول مجلس التعاون لمساعدة اليمنيين على انتقال سلس للسلطة يجنب البلاد تبعات الصراع (حفاظاً على أمن بلدانهم).

منذ ذلك الحين بذل أصحاب المشروع الإيراني ووكلاؤهم في اليمن قصارى جهدهم لإفشال المبادرة الخليجية وحشد الرفض الشعبي ضدها، ذلك أنهم يجدون في الإنتقال السلس للسلطة تفويتاً لمكاسب مؤكدة بالنسبة لهم, لأنه سيبقي على جيش البلد النظامي بشقيه المؤيد والمعارض للتغيير سليماً، الأمر الذي يُصعِّب المهمة على ميلشياتهم المسلحة، بل ويضع مستقبلها على كف عفريت حال استقامت الدولة على سوقها وسعت لبسط نفوذها على كل أراضيها.. كذلك سعوا بكل السبل لافشالها لسبب ثانٍ يتمثل في ضرورة حرمان الجوار الخليجي من أن يكون صاحب فضل في مساعدة اليمن في ظرفها الانتقالي الصعب خصوصا وأن نجاح المبادرة هو إنتصار غير مسبوق للدبلوماسية الخليجية بشكل عام والسعودية بشكل خاص.

وبعد مرور أشهر على طرح المبادرة الخليجية على طاولة اليمنيين باءت كل محاولات تحريض الساحات ضد المبادرة بالفشل، وبدأ وكلاء إيران باتباع خطة جديدة مفادها إفشال المبادرة بحوادث أمنية وقلاقل تجرجر أطراف المبادرة للتمترس على هامش مواجهات بعيدة عن نطاق المركز وفشلوا أيضاً في ذلك فسعوا إلى تنفيذ الخيار الثالث وهو الأدهى بنظري، ويتمثل في جهد استثنائي لجعل محصول المبادرة الخليجية النهائي يصب في خانة المشروع الإيراني وتنفيذ ذلك بأدوات وطنية وليس بواسطة الأطراف العميلة التي تتبنى المشروع الإيراني جهرة وترى في المشروع اليمني تابوتاً لأحلامها العنصرية المتعفنة.

وعليه بدأ أصحاب هذا المشروع بتنفيذ الخطة الجديدة عن طريق إعادة التموضع والتغلغل في المكونات المعنية بإنجاح المبادرة الخليجية فتوزعوا فريقاً في المؤتمر وآخر في المشترك وثالث عند سفراء الدول الغربية والمنظمات الدولية ورابع بالقرب من دوائر القرار الملكي السعودي وخامس في هياكل وأطر تنفيذ المبادرة، ومارست جميع الفرق عملية تنويم مغناطيسي بالغة الدهاء لكل هذه الأطراف لتمرير شروط باردة في مقدماتها كارثية في عواقبها, مستغلين حالة الإرهاق والإعياء النفسي والذهني التي أصيبت بها الأطراف الوطنية، سواء المطالبة بالتغيير أو التي وقفت ضد التغيير بعد عام حافل بالتجاذبات والصراعات التي أرهقت الأعصاب واستنفدت من الفريقين "الوطنيين" حماس سنوات بأكملها.

 فما إن دخلت المبادرة بتولي الرئيس هادي مقاليد السلطة الانتقالية بموجب انتخابات 21فبراير2012، طورها الثاني حتى كان المكون الوطني مقسماً بين طرفٍ منهك مربوك أمام تبعات الشراكة الجديدة.. مشغول بالإحتفال قبل أوانه، وطرف منهك أيضاً يترنح ويتحسس مواضع يديه وقدميه أملاً في أن يرد الصاع صاعين.. وبينهما طرف ثالث يمثله الرئيس "هادي" الذي أتقن دور "رئيس الفصل" الملتزم سراً وعلانية بتوجيهات أستاذه المشرف على تنفيذ المبادرة متعوذاً بالله من مجرد التفكير بالخروج عن نص هذه التوجيهات ولو قيد أنملة.

في الغضون نشطت مطابخ المبادرة الإيرانية في إنتاج كبسولات التنويم المغناطيسي لكل مكونات العمل الوطني وكذا إفساح الطريق نظرياً وعملياً أمام جعل مخرجات المبادرة الخليجية تصب في صالح المشروع الإيراني فكانت أسماء العديد من أعضاء لجنة الحوار هي أولى نتائج هذا المجهود ثم كانت العشرين النقطة المشؤومة هي ثاني هذه الثمار بعد أن تم تمريرها وإقراراها بأدوات وطنية إلى جانب أدوات عميلة للمشروع الإيراني.. وصولاً إلى إقرار المناصفة في التمثيل على أساس (شمال وجنوب) هذا الإقرار الذي لم يكن يحلم به أكثر الانفصاليين تفاؤلاً.. والذي مثل إلى جانب الـ 20 النقطة، أرضية اعتراف كافية يتسلح بها أصحاب المطالب الانفصالية ويحاججون بها الأطر الدولية والمكونات الشعبية العريضة في جنوب اليمن وشماله الرافضة لمطلب التمزيق.

والمقصود ليس الإعتراض على إعطاء أبناء المحافظات الجنوبية 50%، بل الاعتراض على مبدأ الشطرية وإلا فليعطوا أبناء تلك المحافظات ولو 80% على أساس أنهم كفاءات يمنية وليس على أساس أنهم بيادق جهوية في معادلة (شمال جنوب).

وسلسلة الثمار هذه يُراد لها أن تكون لامتناهية من الهزليات, فمثلاً يُراد أن تصبح الفيدرالية إحدى منتجات مؤتمر الحوار يتم إقراراها عبر مكونات وحدوية أصيلة تعتبر قبول بعض الانفصاليين بالفيدرالية إنجازاً عظيماً وتعمى أو تتعامى عن أن الفيدرالية وفقاً لظروف الحالة اليمنية تعد تمهيداً أكيداً للتمزيق وإقراراً بعجز المشروع الوطني عن استيعاب التنوع، والفيدرالية في محصلتها البسيطة تفضي لإعطاء صبغة دستورية على سيطرة الحوثي على المناطق التي توسع فيها بقوة السلاح كما تتيح مناخاً تناحرياً وماراثوناً تنافسياً تتهافت فيه نفايات التاريخ المسرطنة على الإسراع باليمن إلى التمزيق بعد أن تكون الفيدرالية أتاحت مواطئ قدم لهذه النفايات للتخريب من الداخل، والشرح يطول وموضوع عدم صلاحية التقسيم الفيدرالي للواقع اليمني موضوع عميق وطويل، نناقشه بإذن الله في تناولات لاحقة، إذ لا يتسع المجال لذكره في هذا الحيز.

إزاء ذلك يتفرج الشعب بإنصات منتظراً إلى أين سوف تقود السياسيين عقولُهم, واضعاً كافة القوى المنخرطة في العملية التحضيرية للحوار في محك الإختبار واثقاً من قدرته على قلب الطاولة في التوقيت المناسب.