إنهم ينفذون المبادرة الإيرانية وليس الخليجية (2-2)



عادل الأحمدي - أكاد أجزم أنه لم يتناهَ إلى مسامع النخبة السياسية الجذلى بالعملية الحوارية أن الشعب ممثلاً بقواه الشبابية الحية المرتبطة بأحلامه لا بأحزابه.. يرون إن إعطاء مؤتمر الحوار خاصية التشريع لملامح اليمن الجديد من دستور وشكل دولة وخلافه، هو خيانة للشعب وسرقة لأهم حقوقه وهو حق التشريع وسن الدستور الذي هو لب الديمقراطية وجوهرها, إذ لا يوجد أية صفة قانونية أو شرعية تخول المشاركين في مؤتمر الحوار سن دستور جديد والبت في أمور مصيرية كشكل الدولة وشكل النظام, فهم ليسوا منتخبين من قبل الشعب بقدر كونهم ممثلين لقوى سياسية مفترَضة الحضور بعضها لا يمتلك أية مؤهلات وطنية غير إمتلاكه السلاح وقد تأتي أولى إنتخابات حقيقية بعد ثورة الشعب لتفاجئ هؤلاء جميعاً أن أحجامهم الشعبية ليست كما كانوا يعتقدون وبالتالي أية شرعية لقوى مجهولة الوزن بعضها مفروض بقوة السلاح وبعضها مفروض بقوة الخارج ليسُنَّ هؤلاء دستور البلد ويرسمون معالمه؟!

وبالقرب من التساؤل السابق يتربع تساؤل شبيه به على ناصية العقول السليمة: كيف يتواطأ فرقاء الداخل وسفراء الخارج على إلغاء الديمقراطية وسرقة الشعب أهم حق من حقوقه المنصوص عليها، وهم جميعاً يتشدقون بالديمقراطية ليل نهار ويحركون الأساطيل من بحر إلى خليج إلى محيط لحماية حق الشعوب في تقرير مصيرها وها هم جميعاً يرهنون الحق الأبرز للشعب اليمني بيد شلة سياسية ثلثها آثم وثلثها دائخ والثلث الثالث عدو مبين؟!

يفترض أن تكون مهمة القيادة الإنتقالية إعادة الأمن ووضع الأسس السليمة لعملية تنافسية إنتخابية حرة ونزيهة في 2014 ينتج عنها ممثلون لهذا الشعب يعدلون دستوره أو يصوغونه من جديد أو يبقون عليه كما هو ممثلون عن الشعب يشرعون للشعب نيابة عن الشعب بإلهام من عقيدة الشعب ورؤاه، وليس ممثلين عن أحزاب المبادرة وسفراء الدول العشر وميليشيات الكهنوت ونفايات التاريخ القابعة في فنادق القاهرة وبيروت وأسمرة الساعية لتمزيق اليمن.

لا شيء يجبر الشعب اليمني على أن يفرط في أهم حق من حقوقه وهو التشريع ورسم معالم المستقبل، ولن يقيم الشعب وزناً لمن يراهم اليوم بأم عينيه, يتبولون في حياض الثابت المقدس سواء كان وحدته أو حريته أو نظامه الجمهوري كخلاصة لنضاله الطويل في سبيل اللحاق بعجلة الحياة.

ويقيني أن نخبتنا السياسية ستسمع بمشيئة الله من الآن فصاعداً من أفواه الشعب, كلاماً جامعاً مانعاً يعكس وعيه بحقوقه وتمسكه بمكتسباته وثوابته التي دفع مراراً ثمنها غالياً، وبكل سخاء.

نخبتنا السياسية اليوم بمؤتمرها ومشتركها يمينها ويسارها تبذل جهوداً جبارة لإرضاء نفايات التاريخ الفاشلة التي يُعاد تصنيعها اليوم لتكون أدوات بديلة أكثر قابلية للطرق والسحب.

هذه النفايات التاريخية تنوء بحمولة ثقيلة من الأحقاد، وبسجل حافل من الخيانات، وبأرصدة متضخمة من أوراق البنكنوت، وأحقادها ليست موجهة ضد خصومها السياسيين بل ضد الشعب الذي عرقل مخططاتها البائسة في أكثر من منعطف، والدليل أنك ترى هؤلاء الخصوم والفرقاء يرتصون في طابور واحد، ويتنتقلون من خانة العداوة إلى خانة التحالف بكل سلاسة، ومن اليمين إلى اليسار، ومن موسكو إلى واشنطن، ومن الرياض إلى طهران بمهارة بهلوانية فائقة دونما جلبة أو ضجيج، جراء تعاملهم الذكي مع عامل الوقت وعامل الإعلام ومهارات التنويم المغناطيسي التي يجيدونها بكل إقتدار.

ولمن يقرأون بواطن الأمور فإن المشروع التمزيقي الطائفي في شمال اليمن وجنوبه يقوده منتمون لذات السلالة بل هو مشروع عائلي عريض يشمل الجزيرة العربية بأكملها كتكفير من قوى متعددة عن حالة الخذلان التي نتجت عن مراسلات (الحسين - مكماهون 1915-1916)، مع إقتراب الذكرى المئوية لهذه المراسلات ولنا على سبيل المثال أن نرى كيف أن السيد" خالد مشعل" قطف ثمرة البرنامج الوثائقي في قناة "الجزيرة" الخاص بعملية إستهدافه من الموساد الصهيوني وثمرة صمود "غزة" في عدوان الأيام السبعة الأخيرة ووضعها في سلة إيران بمجرد كلمات، وحديثاً قالوا: "إذا عُرف "النسب" بطل العجب".

لا أعتقد أن القوى الإسلامية والقومية الحية سيكونون فريسة سهلة في فخ المخطط الكبير ليكونوا مجرد أداة إنتقالية يتم إفشالها قبيل وضعها في متحف التاريخ مغضوباً عليها مستنفدة فرصها كما هو مخطط لها من قبل القوى التي فاجأها الربيع العربي فسعت جاهدة للتموضع في مربعات متقدمة للتحكم بمخرجاته عبر خطة يحسبون أنها مضمونة النتائج.

ولا أعتقد أبداً أن الحل الذي يفرض نفسه أمام الرئيس عبدربه منصور هادي في حماية حق الشعب وتفويت محاولة إلغاء الديمقراطية وسرقة الحق الشعبي الأبرز المتمثل في التشريع.. لا أعتقد أن الحل يكمن في إلغاء مؤتمر الحوار بل في وضعه في إطاره التاريخي الصحيح ليكون ورشة عمل وطنية كبرى تشير ولا تشرِّع.. تنير ولا تسن.. تثري ولا تُلزم.. بحيث يأتي المجلس التشريعي الجديد المنبثق عن إرادة الشعب ليستأنس بمخرجات مؤتمر الحوار، وأثناء ذلك يتم إحراز معالجات عملية ملموسة في ملفي الجنوب وصعدة، ومن تمام الفائدة من وجهة نظري الإستغناء عن تزامن الإنتخابات النيابية مع الرئاسية, بحيث يتم تأخير الرئاسية لتتم لاحقاً وفق معايير ومهام حددها المجموع التشريعي المنبثق عن الإنتخابات النيابية.

عدا ذلك فإن الشعب الذي أزاح الرئيس علي عبدالله صالح بكل قواته وسلطاته وهيلمانه وأقصاه عن الحكم قادر ولاشك على وضع الرئيس عبدربه منصور هادي وقادة الأحزاب في قفص المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى والتفريط الجسيم بمكتسبات الشعب التي ثار من أجلها مراراً وقدم في سبيلها أزكى التضحيات.