أعينوا أبن الجنوب على البناء



محمد الضرير - علم الله طيبة اليمنيين وصفاء قلوبهم ونبل سجاياهم، فاصطفاهم وخصهم بميزات متعددة لم تكن لغيرهم، فجعلهم الأنصار وخصهم ببقاء رسوله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم حتى وفاته، وتوجهم بتاج الإيمان والحكمة، لذا فلا غرابة أن تجد المكون الإيماني لليمنين له خصوصية كبيرة تميزه عن سائر المسلمين في شتى أصقاع المعمورة، حتى أن بعض الكتاب الغربيين تندر على كبير ارتباط اليمني بربه وقوة توكله عليه في عنونة أحد مقالاته بـ:( الله موجود في اليمن)،  ومع التطبيق العملي لأركان الإيمان الستة نجد اليمني يتفاعل تفاعل المؤمن التأم إيمانه مع الركن السادس المقتضي للإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره, فكل ما يحدث للمسلم هو مقدر من الله مع التسليم أن بعض الإبتلاءات بما صنعته أيدينا وأكتسبته نفوسنا, فكان مقدراً علينا بصنعينا، وصبرنا بصبره نفعنا وفلاحاً، فأمر المؤمن كله خير.

ولحكمة أبتلينا بها كانت الأحداث العاصفة وسالت الدماء الطاهرة، والتضحيات واردة لتحقيق سامي الغايات وكبرى القضايا والمهمات، ونظراً لتعدد الأطراف والمصالح، وإختلاف الوجهات والطرق, دخلت اليمن نفقها المعتم، وبدا المستقبل على جرف هار، وتسأل الكثيرون أين الإيمان والحكمة؟! وعاشوا في ذهول مما يرون.

وكانت الرعاية الآلهية لشعب الإيمان والحكمة في إصطفاء قائد مرحلة التغيير التي بدأت عجلاتها في الدوران، فكان الإجماع الشعبي والإقليمي والدولي على شخصه، وجاءته الرئاسة منقادة ولم يسعى إليها بل صرح أنه لا يريدها، وإن قبل بها مكرها، وإذا تأملنا في سير الكثير من القادة على مر التاريخ نجد هذا الصوت: تأتيهم القيادة وهم لها كارهون، فيتحقق على أيديهم ما يخلده التاريخ لهم.

عندما تحدث وسمعناه أول مرة بلكنته الصافية أصبنا بخيبة أمل، ولكن بمتابعة قرارته بدأ التفاؤل يعود إلى نفوسنا رويدا رويدا، وخاصة عندما وجدناه يحسن الصبر ويميل إلى العمل بصمت، فتأتي قرارته حكيمة، رغم أنه في بعض الأحيان يتعمد بعض الأطراف الكيد لآخر فينسب له أقوالا أو قرارات تكون غريبة بعيدة عن الحكمة ونستغرب صدورها، لنكتشف ببعض الوقت أنها إشاعة لا تصح. وأن الحكمة لا زالت مصاحبة لموطن القيادة.

ولعل صدور القرار 104 وما تلاه من قرارات في ذات الشأن جسد الحكمة في أسمى معانيها، فلم يك قرارا مراع ٍ لأفرادٍ ولكنه قرار نظر لليمن، ومصلحة اليمن فقط، بُني على دراسة استراتيجية، واستعين في منظومته بخبرات محلية وأجنبية، وصدر لتذويب بعض معيقات التسوية السياسية، ومثَّل التمهيد العملي لبدأ المرحلة الثانية من المبادرة الخليجية، وتهيئة الأرضية المناسبة لبدء مرحلة الحوار الوطني الشامل، المتوقف على ضوء نتائجه المهمة الشكل العام للدولة اليمنية الحديثة دولة المؤسسات والنظام والقانون دولة المواطنة المتساوية، بشفافيتها المطلقة وحكمها الرشيد.

إن هذا القرار الحكيم يترجم مصداقية أبن الجنوب في العمل الجاد على بناء اليمن، وأنه ماض في كل ما من شانه إصلاح الإختلالات العسكرية والمدنية، وأنه يهتم بالأفعال المثمرة ويحسنها أكثر من توقفه مع الأقوال التي لا طائل من ورائها, لذا وجب على العقلاء والشرفاء الوقوف معه، ومساندته بكل ما يعينه على السير بالوطن نحو الخروج من أزمته، خاصة وقد ظهر في تعامله أنه إذا قال صدق وإذا وعد أوفى.

إن الوقت قصير والمهام كبيرة، واليمن الآن دخل مرحلة البناء الوطني, فكل من زعم الوطنية من كافة المكونات يجب عليه أن يكون سندا لأبن الجنوب في البناء، وهذا يتطلب التوقف عن الشخصنة في القرارات، وكبح جماح المناكفات الإعلامية، وإن لم نقل خيراً فلنصمت، فاليمن أكبر وأغلى.