تحرير الجنوب



د / محمد النظاري - وإن جاء الإحتفال بالذكرى الـ 45 ليوم الإستقلال ورحيل أخر جندي بريطاني عن بلادنا سنة 1967م، واليمن يعيش ظرفاً استثنائياً يتمثل في عملية التحول السياسي المبني على تطبيق المبادرة الخليجية والياتها المزمنة، الا أن ذلك لا يلغي من ذاكرتنا تلك الايام التي سطر فيها مجاهدونا في الشطر الجنوبي من الوطن أروع أمثلة النضال والتصدي لأعتى الامبراطوريات الإستعمارية في العالم.

إن تحرير أرضنا في الجنوب لم يأتي صدفة بل كان نتاج تضحيات قدمها اليمنيون لأكثر من 130 سنة، ذهب من أجلها خيرة الرجال -الذين نحتسبهم عند الله شهداء- وأوجدوا يمناً مستقلاً عن الهيمنة الأجنبية، وقد مثّل يوم 30 من نوفمبر 1967م، إنتصارا لإرادة اليمنيين التواقين دوما لان تكون ارادتهم بأيديهم فقط.

ينبغي ألا نتوقف عند الإحتفال بيوم الإستقلال كذكرى إحتفالية فقط, بل يجب علينا أن نستلهم منه العظات والعبر, فمن خلاله نستطيع اأن نعبر أزمتنا التي نحن فيها, عندما نتذكر أن شهدائنا الأبرار قدموا حياتهم الغالية من أجل الوطن، وما علينا إلا السير في نفس النهج عبر تغليب المصلحة الوطنية على ما دونها من مصالح ذاتية.

إن نوفمبر سيخلد في تاريخه مناسبتين كبيرتين, فكما أنتصرنا عام 1967م على رغبات الإستيلاء على ثرواتنا وأرضنا ومقدراتنا, أستطعنا في الـ 23  من نوفمبر من العام الماضي 2011م الحفاظ على أن تظل بلادنا منتصرة برؤاها الخاصة بها للخروج من المحن والأزمات التي تلم بها بين الوقت والآخر، ففيه وقع شركاء العمل السياسي المبادرة الخليجية والياتها المزمنة بالعاصمة الرياض, منهنين بذلك فوضى الربيع التي أجتاحت بعض الدول، وضربت إستقرارها في مقتل.

ما بين نوفمبر 1967و 2011م سنوات طوال مر على الأمة اليمنية في طياتها محن وشدائد كانت كل واحدة منها كفيلة بأن يتحول اليمن الى أسوء مما عليه الصومال اليوم، ولكن يبقى دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لليمن بالحفظ، واقياً له من التشرذم والتصدي الكامل، وقد تجلى ذلك في حكمتهم حينما غيروا مجرى الربيع (الغربي) المتعيرب الى تسوية سياسية, لآن ما حصل لم يكن سوى أزمة الوصول للسلطة، وأن كان الشباب قد حركوا المياه الراكدة وأجبروا الساسة على قبول التغيير.

عندما يكون لليمن إرادته الجادة في التغيير السلمي, فلا ضير حينها الإعتماد على ثقل وخبرات ومساعدة الدول الشقيقة والصديقة.. فاليمن ونظراً لما يتمتع به من موقع مهم، فرض على العالم التعاطي مع ما يحدث فيه وفق ما هو كائن - أزمة سياسية - وأجبر اليمنيون على مصدري (الربيع العربي) الإبتعاد عن ما كان يرسم للبلاد، وهذا ما جعلها تبتعد عن الازمات الحادة التي ما زالت تعصف بالدول التي خُيّل لها انها تعافت من فوضى الربيع العربي.

إننا اليوم أمام تكرار ما صنعه اجدادنا حينا قادوا التغيير الذي أزاح عن كاهلهم المحتل البريطاني الغاصب، ونحن بدورنا - لأننا امتداد لهم - نستطيع أن نزيح إرتهان قرارنا للخارج، ولن يكون ذلك إلا إذا تسلحنا بنفس الإصرار والعزيمة والوطنية, قد يقول قائل نحن اليوم تحت الوصاية الدولية، وسأجيبه نحن تحت الرعاية الدولية الحميدة التي سعينا لها نحن، وكنا سنصل الى الوصاية الخبيثة فعلاً، إذا تمترس كل طرف خلف مطالبه، وعندها سنعيد تكوين الاحتلال الخارجي لبلدنا.

باستطاعتنا اليوم أن نتخطى الرعاية الحميدة، وألا نصل للوصاية الخبيثة، ولن يكون ذلك بغير بناء دولة قوية يكون لليمنيين اللبنات الاساسية فيها.. ولبنات هذه الدولة تقوم على المشاركة القوية والفاعلة في الحوار الوطني الذي يحدد شكل الدولة التي يرغب اليمنيين بإيجادها، والمجتمع الدولي ما هو إلا عنصر مساعد، ولن يستطيع فرض مشروع بذاته، لان المتحاورين اذا صدقوا في تحاورهم، ستكون لهم الكلمة العليا، ويد الله مع الجماعة.

إذا فالتاريخ يعيد نفسه، واليمنيون بأيديهم اليوم تحرير أنفسهم من شهواتهم التي جعلتهم حبيسي الرغبات التي لا تدور إلا في فلك امتلاك السلطة، مع أن السلطة لا تأتي إلا بقدر ما تقدمه الاحزاب للشعب، والتي على ضوئها يختارها لتكون في السلطة، او يبتعد عنها لتبقى في المعارضة.. فهل تعي الأحزاب السياسية أن الشعب لم يعد ذلك المغيّب عن نهجها وتوجهاتها، وأنه ومنذ ان ارتضينا بالتغير السلمي، أصبح رقيباً عليها، ولن تستطيع خداعه مستقبلاً.

نوفمبر سيظل شهر الأحداث المهمة التي غيرت مجرى الاحداث في اليمن، وكل من يقف أمام ما اقتضاه اليمنيون فيه من تغيير، فإن سيصطدم بإرادة قوية لن تلين، كتلك التي اصطدم بها المحتل الغاصب، وسيجد نفسه مرغماً على الإنصياع لخيارات ورغبات الشعب اليمني التوّاق في الإستقلال التام عن كل ما يؤخره عن اللحاق بركب التطور والحداثة.