دروس نبوية



د / يوسف الحاضري - 950 سنه هي مدة دعوة نوح عليه السلام لقومه والذي لم يؤمن منهم إلا بضع وسبعون فرداً, سراً وجهاراً, ليلاً ونهاراً، ولم يضجر أو ييأس من دعوتهم أو يتضايق، ولم يلجأ للدعاء عليهم رغم ما لاقاه منهم من إستهزاء وجحود وإستنقاص وغير ذلك، ولم يدعُ عليهم بالهلاك إلا بعد أن قال له الله جل وعلا " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن" فأدرك نوح أن دعوته وصلت إلى نهايتها وأن بقاء هؤلاء سيضلون من آمن, فدعاء عليهم قائلا "رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدون إلا فاجرا كفارا".

بعد أن أنقذه الله من النار وجعلها عليه برداً وسلاما، وبعد أن أصبح نبي مرسل، وبعد أن وعده الله أن الأنبياء والمرسلين ستكون جميعها من ذريته، وبعد أن سمع بكيفيه عذاب الله لقوم لوط ، وبعد الكثير والكثير من العلامات سأل أبراهيمُ ربَهُ قائلا "أرني كيف تحيي الموتى", سؤال يتضح منه أن ابراهيم مازال شاك في أمر إحياء الله للموتى, فلم يزجره الله أو يسخط عليه أو يخرجه من رحمته أو يلعنه أو يغضب عليه, بل قال له "أو لم تؤمن", قال له إبراهيم "بلى ولكن ليطمئن قلبي", فأراه الله كيف يحيى الموتى بأربعه من الطيور وليس بطير واحد.

رغم ما عانه موسى عليه السلام من قومه "بنو إسرائيل" من جحود وتعنت وغباء مستفحل وجبن رغم العلامات النبوية التي كانت تنهال عليهم بدءا بالثعبان واليد البيضاء وعلامات عذاب قوم فرعون وإغراق فرعون "ربهم السابق" أمام أعينهم وخروج جسده ليروه ورفع جبل الطور فوقهم وإحياء الله من أماتهم في حادثة العجل والمن والسلوى وتفجير الجبل بـ 12 عينا لكل قوم عينا تشرب منه, إلا أنهم كانوا كل يوم يأتوا بجحود ونفور من الله ومن نبيه, فتارة يطلبون من موسى أن يجعل لهم إله أسوة باقوام يعبدون الأصنام أو الشجر، وتارة يعبدون العجل وتارة يستبدلون المن والسلوى بالثوم والبصل وتارة ينقضون الأخذ بالتوراة التي عاهدوا موسى عليه تحت جبل الطور، وأخيراً يرفضون دخول بيت المقدس رغم الوعد المسبق بالنصر وبدون قتال على الإطلاق بل أن الأمر وصل للخذلان المبين منهم قائلين "أذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"، ورغم العذاب الرباني لهم بـ 40عام من التيهان في الأرض إلا أن نبي الله موسى لم يفارق قومه بل عاش معهم جزء من تلك الـ 40 عاما ومات عندهم.

بعد أن أعطى الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة "تبوك" الأذن لبعض منافقي المدينة بالبقاء فيها وعدم الخروج معه عاتبه الله ولكن قبل العتاب كان العفو فقال جل وعلا "عفا الله عنك لمن أذنت لهم".

رغم هذا كله والأكثر من هذا كله ورغم أن علماء الدين في أوطاننا الإسلامية يدركون كل هذا وأكثر من كل هذا وينادون دائما بضرورة الإقتداء والإتباع لهؤلاء إلا أن القليل منهم من ينهج نهجهم ويتبع سيرتهم ويتعامل بتعاملهم والكثرة الغالبة ممن جعل من العلم الشرعي مصدر رزق لا أكثر ولا أقل يميل مع هبوب الريح ذات اليمين وذات الشمال والله المستعان مما يصفون.