إجبار التهاميين على الحراك المسلح



د / محمد الضرير - غضبٌ تهاميٌ مكبوتٌ يأبى ذووا السلطة والنفوذ من الدولة والأحزاب والقبيلة (مدنيون وعسكريون) إلا إنفجاره وفق المسار المثخن بالجراح والآلام وزعزعة الإستقرار, كما مر في سيناريو قضيتي الجنوب وصعدة، وكأن من بيدهم الإسهام والتجاوب مع المطالب الحقوقية المشروعة لأبناء تهامة لا يريدون حل القضية إطلاقا، ومن الأفضل لديهم أن يبقى الظلم والقهر والإذلال لتهامة الأرض والإنسان، ولعل السر يكمن في تضرر مصالحهم جميعا إذ من النادر قلة تورط أصحاب النفوذ في النهب والفساد بها.

ومن ثم لا بد لدى البعض أن ترتقي القضية من مطالب حقوقية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار إلى إقلاق أمني وسياسي حتى يلتفت من تبقى من الشرفاء في الدولة إلى مطالب من يمثلون سكانيا 10% من سكان اليمن، ويرفد إقليمهم الخيِّر الدولة بنسبة لا يستهان بها للخزينة العامة. 

هذه المرة أكتب مغضبا جداً, فقد حذرت مرار وتكرار ومن مدة ليست بالقصيرة منبها ولاة الأمر وخاصة مع تشكيل لجنة الحوار الوطني من الإهتمام بهذا الإقليم الحيوي كما في مقال: عار يا لجنة الحوار، والإلتفات الجاد إلى مطالب أهله المشروعة ورفع الظلم والتهميش عن أرضه وناسه, سارداً الكثير من المعطيات المنذرة بتحول غضبه إلى حراك, فللصبر حدود في قلوب الأحرار، ومن ذا يرتضي العيش وأرضه تسلب وأهله يذلون ويهمشون في شتى مجالات الحقوق الوطنية والإنسانية عموما, بل نبهت إلى أن التمادي في التجاهل ينذر بتشكل حراك مسلح مما سيزيد من مشاكل الدولة الضائقة بمشاكلها، وإضافة حراك في غرب اليمن بما عليه إقليمها الغربي من أهمية ومصالح كبيرة سيهز من دعامة الأمن المؤثرة بطبيعة الحال على الاستقرار المنشود المسهم بدوره في تقدم الوطن ونمائه.

لا أدري هل طيبة التهامي الكبيرة ورقة قلبه طمأنت مخلصي الدولة، أم أن هنالك حسابات خاطئة أو سوء تقدير أو ضعف تقارير أضعفت تحركهم، أم أن الخوف من مواجهة الغيلان والحيتان المتضررة مصالحهم في نشر العدالة والمواطنة المتساوية واسترداد الحقوق لأبناء تهامة أربكت توجهم.

وأي كان مما ذكرت أو جهلت علمه: فلا مبرر على الاطلاق لهذا التهميش الممنهج القديم قصدا والمتجدد استمراءً للمطالب الإنسانية في تهامة، ولست هنا بصدد سوق تاريخ التهميش والتجاهل والاقصاء لحقوق أبناء تهامة فقد هرمنا ومعنا الكثيرون من ترديده، وما خفي مما لم يقل أعظم، ولكن أن يستمر رغم شرح الكثير من المعطيات والمستجدات بعد ثورة 11 فبراير، يدعو للإستغراب، ويطرح التساؤل: هل تهميش القضية التهامية دعوة صريحة لإنتهاج الكفاح المسلح لإسترداد الحقوق؟ خاصة وقد عُرف عن أبناء تهامة سلميتهم وتمدنهم  ونبذهم لكل صور العنف والإرهاب.

طرحت التساؤل أعلاه وقد حضرني ما يستغربه أبسط عقل سليم من إيلاء بعض الأقليات أو الجماعات أو القضايا ذلك الإهتمام المفرط, ففي جانب الحوار الوطني مثلاً تدرج بعض قيادات الحوثي بلجنة الحوار وتعطى جماعتهم ما يقرب من 40 مقعدا, فأين هم من 3 مليون تهامي وبأقليم مهم للخزينة كتهامة، وهكذا بالنظر إلى كل القضايا المولاة اهتماما من الدولة لن تجد أيا منها أقدم واشد مظالم من القضية التهامية الممتدة منذ عهد الأمامة.

ولذا أليس غريبا هذا الإشعار من الدولة أن من يرفع السلاح ويفرض قوته تحقق مطالبه بل وتستجدى موافقته ورضاه، ومن يسلك السلوك المدني وينهج المسار السلمي في مطالبه الواضحة والتي لا بس فيها ويقر بها العالم والجاهل، لا يأبه له ولا يلتفت إليه.

تفاءل التهاميون ولو على حذر من انعقاد الحكومة لأحدى جلساتها في الحديدة، ولكنها كانت مسكنات وهمية، كرست بإثبات لا يقبل الشك مدى الاستهانة بأبناء تهامة، ومن ذلك أنه تم الاتفاق مع الحكومة ممثلة برئيسها نفسه بتفعيل قانون السلطة المحلية، ووعد باسندوة أنه لن يتم أي تعيين لأي إدارة إلا من كفاءات أبناء المحافظة، وما أكثرهم، ولم تمض سوء أيام قلائل وصدر تكليف مديرٍ لمكتب النفط من غير أبناء الحديدة, بل وشقيق وزير النفط، فلم كل هذه الاستهانة بأحرار تهامة وهل عجزت تهامة أن تنجب من تؤهله كفاءته على إدارة مكتب، وهكذا في جميع الوعود التي لم ينفذ منها شيئ حتى الآن، ولن ينفذ. فالتهاميون يمكن الاستهانة بهم.

وعموما ما دعاني لكتابة هذا المقال بعد طول يأس وتوقف عن الكتابة ما أستجد من أحداث ليلة الجمعة الدامية المؤلمة لكل ذي ضمير حي سقط العشرات من المصابين شيبا وشبانا صغارا وكبار من الجنسين, شهيدان حتى اللحظة فارقا الحياة، وكثير من الأطفال والنساء والشيوخ يتلقون الإسعاف في مستشفيات المحافظة العامة والخاصة, كل ذلك بسبب هجوم همجي تضاربت الانباء فيمن أمر به, يا الله ما أشجع قادتنا الأشاوس وما أجل وطنيتهم, ينهب جنود اللواء العاشر حرس جمهوري لأراضي البسطاء التهاميين في جميشة "قرية زراعية تبعد 16 كيلو عن مدينة الحديدة"، ويجرفون أراضيهم ويهدمون بيوتهم جهارا نهارا وغصبا وعدوانا، ولا يحرك قادتنا الأبطال ساكنا فالمعتدى عليهم تهاميون فلا داعي للقلق، وعندما تستفز الحمية بضعة شباب وصيادين من تهامة على حقهم وصالح وطنهم في اقتياد سفينة تنهب خيرات الوطن بطريقة مخالفة للقانون مهلكة ً لثروة وطنية ومصدر دخل قومي بعد طول مناداة وتبليغ عن هذه السفن المدعومة من بعض المتنفذين، ولما لم يجد صيادوا تهامة المستضعفين مجيبا بسبب قوة ذوي النفوذ ذهبوا مجبرين لسواحل القرن الأفريقي ليسدوا رمق أبنائهم, فكان السجن والإذلال والمهانة تستقبلهم في سجون أرتيريا وغيرها، ولكن هذه المرة أمعنت السفينة المعنية في التجبر وحاولت دهس بعض قوارب الصيادين الذين أستنجدوا بذوي الحمية من إخوانهم فهبوا لنصرتهم أولا، وحرصا على مصدر الدخل القومي للبلد ثانيا، وقاموا بكل بسالة وأقتادوا السفينة المعتدية والمخالفة لقانون الإصطياد فكان دفاعا من جهة وحرصا وطنيا من أخرى، ومتى علم الإعتداء من أبناء تهامة المسالمين، ولكن ذوي النفوذ ممن تربطهم المصالح الكبرى بهذه السفن جن جنونهم فإذا كانت الدولة بكل قدراتها لا تستطيع القيام بهذا الدور الوطني، أيفعله هؤلاء الشرذمة القليلون، ولم تمض سوى ساعات حتى نزلت تلك الحملة العسكرية المدججة بشتى واقوى ومختلف أنواع الأسلحة وتقصف حارتي اليمن والكورنيش ليسقط شهيدين ويسعف العشرات من النساء والاطفال والشيوخ إلى المستشفيات جراء اصاباتهم بالطلقات النارية والإختناق، والمؤلم أن هؤلاء الأشاوس منعوا سيارات الإسعاف من الدخول لساعات في إنتهاك صارخ وعمل لم نسمع به حتى من الكيان الإسرائيلي.

كما أن ردة الفعل الغاضبة للمواطنين قادتهم في غلواء سخطهم إلى إحراق قسم النشي الواقع في تلك الحارة، فكانت الحصيلة الموجعة خسارة في أرواح الشعب وممتلكات الدولة، ولماذا؟؛ لأن الدولة لم تقم بواجبها المناط لمواطنيها في هذه المنطقة، وأطلقت يد المفسدين تعيث بها فسادا!.

ولا أشك أن الأيام القادمة ستشهد حراكا أوسع وعنفا أشد، وذاك امر بل قانون طبيعي، خاصة أن العنف المقحم لم يكن مبررا، والعنف لا يولد إلا العنف، والمطالبين بحقوقهم قضيتهم عادلة، ولا مبرر لتجاهلها أكثر من ذلك، إلا أن كان هذا التجاهل متعمدا، لترسيخ مبدأ: ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.

لست متمنيا لذلك حرصا على سلامة الوطن وأرواح أبنائه وسبق أن بينت تحذيري كثيرا من ذلك، ولكن الحقيقة: أن الزرانيق من أبناء تهامة أحفاد أزد شنوءة قد فاض بهم الكيل، وأعلنوا أن للصبر حدود، وقد بدأ الكثير منهم يستقبل تجاهل الدولة لقضيتهم أنها إشارات واضحة تدعوهم إلى انتزاع حقوقهم بكافة الوسائل، وبدأ مارد الثورة التهامية يستفيق, بل لعل البعض من مثيري الفتنة بدا بتغذيته، وإن كان ذاك فاستقرار الوطن الذي يسعى إليه المخلصون معرض للإنهيار، والوقت المتاح سابقا في المعالجات لم يعد كذلك بل بدأ يضيق بقوة.


لذا ومن منطلق الحرص الوطني والضمير الإنساني، وحبا للبسطاء والمستضعفين في تهامة أتوجه بهذا النداء لكل من يهمه أمر اليمن واستقراره وتقدمه وخاصة رئيس الجمهورية ومن يليه رتبة ومحبة لليمن وأهله أقول: أدركوا الوضع في تهامة الخير والسلام، ويكفي ما حصل في الجنوب الطيبة والمسالم أهلها عبرة, وأجد ضميري الوطني والإنساني يقترح عليكم المقرحات العاجلة الآتية:

1- إيلاء القضية التهامية بعضا من إهتماماتكم الوطنية، وسرعة إلحاقها ضمن قضايا الحوار الوطني, فهي أجدر نقاشا وأجدى اهتماما من موضوع زواج الصغيرات، أو الأقلية اليهودية وغيره.
2- تشكيل لجنة من قامات وطنية بصورة عاجلة للتحقيق في حادثة السفينة وإرهاب الدولة للأطفال والنساء والشيوخ، ومحاسبة كل من أخطئ في حدوث الخسائر المذكورة.
3- تفعيل مبدأ السلطة المحلية في تهامة، فهي المحافظة الوحيدة التي لا يدير أبناءها مكاتبها، ولا وجود لهم يذكر في مكاتب الدولة خارجها.
4- تجميد قرار تعيين مدير مكتب النفط من خارج المحافظة، وإصدار قرار بتعيين مدير من كفاءات المحافظة. 


تلك أبرز المقترحات العاجلة وإلا فإن المطالب كثيرة تتماهى في إنسجامها وقدم القضية وكارثية مظالمها، والله من وراء القصد.