الإجراءات السعودية بحق المغتربين اليمنيين وترحيلهم .. لمصلحة من؟




مصطفى راجح - ظهرت في الآونة الأخيرة مؤشرات سياسة عدائية سعودية ضد العمالة اليمنية يشبهها بعض اليمنيين بموجة الطرد الجماعي التي أنتهجتها المملكة رداً على الموقف اليمني من غزو العراق للكويت، ويقول آخرون أنها تفوق تلك الموجة إذ أن السياسة العدائية في بدايتها وربما لن تقف حتى تتجاوز فصلها الأول في بداية التسعينات.

الحملة العدائية ضد اليمنيين غريبة وغير مفهومة في توقيتها, إذ تبدو وكأنها إستغلال لحال اليمن الذي يمر بمرحلة إنتقالية لنقل السلطة وحالة سيولة تنكفئ فيها الدولة نحو الداخل وتستغرق كل مكونات البلد في اللحظة الإنتقالية الداخلية، وتسود حالة من إنعدام الوزن، وهو إستغلال غير مفهوم ولا يمكن تبريره، وفعل غريب ومفاجئ من دولة شقيقة في الجوار أنجزت مع اليمن إتفاقية ترسيم الحدود التي كانت تثير قلقها ومخاوفها، وحسمت الحدود معها إستناداً لإتفاقية الطائف وبما يرسخ العلاقات الأخوية والتعاون بين البلدين والشعبين، ودولة رعت إتفاقية نقل السلطة واحد رعاة المبادرة، وتقدم نفسها كمساند لليمن ويتم التعامل معها على هذا الأساس باعتبارها داعماً سياسياً وإقتصادياً.

وعد المملكة بالدعم الإقتصادي كان كبيراً, غير أنه لا زال حبراً على الورق، وما نراه هو الإجراءات العدائية والإستهداف للعمال اليمنيين, حيث تؤدي الإجراءات التعسفية إلى نهب مدخرات العمال التي يحصلون عليها بشق الأنفس، ويتم إستعادتها بإسم الكفيل والرسوم التعسفية والتأمين وتصل التعسفات الممنهجة إلى التطفيش والترحيل.

لم تقتصر التوجهات الجديدة وحملة التصعيد على مضاعفة تكاليف الكفيل ، والرسوم المفتعلة ، وإنما تعدتها إلى تصميم نظام تطفير وتطفيش لا مثيل له في العالم.

ذروة السياسة الممنهجة لقطع أرزاق العمال اليمنيين يقوم على مقص سعودي يلغي الاقامة ذاتها ويستهدف المقيمين الشرعيين ويساويهم باخرين دفعتهم ظروف المعيشة والبحث عن عمل الى الدخول للمملكة عبر التهريب.

التعديل الأخير يحصر العمل لدى كفيل واحد وبدون تغيير للمهنة, فنظام الكفيل على تعسفه كاجراء ينتمي لزمن العبودية يغدو هنا نعيماً وتسامحاً مقارنة بالقيود المركبة التي أضيفت مؤخرا، وفي المحصلة تبدو الإجراءات المتتابعة وكأنها خطوات في سياق منهجية مدروسة لطرد العمال اليمنيين وقطع أرزاقهم في دولة شقيقة ومجاورة لليمن، وفي ظل علاقات تبدو طيبه وقائمة على التعاون, فيما معاملة المغتربين على النقيض تماماً وكأن البلدين في حالة حرب ونزاعات حدودية.

الإجراء الأخير هو تسمية ملتوية لقرار طرد العمال بطريقة قانونية, حيث تترافق الإجراءات الإستثنائية ظهور جيل جديد من شباب المملكة مع صعود شباب الأسرة الحاكمة إلى مواقع قيادية في المملكة، وكان الأقرب للفهم هو أن يؤدي ذلك إلى سياسة أكثر منهجية في تعميق المصالح بين البلدين والشعبين لا أن تكون هذه السياسات قصيرة النظر ضد المغتربين اليمنيين التي هي أول ما جادت به هذه القيادات الشابه السعودية.

على السلطات اليمنية أن تلتفت لأحوال المغتربين اليمنيين في المملكة ، فوظيفتها خدمة اليمنيين وليس التغطية على ما يتعرضون له من إجحاف وتعسف وعدوانية.

تسعة وتسعين بالمئة من المغتربين اليمنيين يتحملون مشقة الاغتراب من اجل الحصول على فرصة عمل يبذلون من خلالها جهدهم وعرقهم لإعالة أسرهم.

وأي خلط لأوراق السياسة والصراعات الإقليمية بقضية عادلة كهذه ستكون مفضوحة وغير قابلة للتسويق.

وفي نهاية المطاف لم يعد لدى اليمنيين طاقة مختزنة لتحمل فصل جديد من الريبة والعداء في علاقات البلدين، ولا يستقيم ذلك مع التسوية الحدودية التي أغلقت ملف الحدود مع المملكة، وتوقع الجميع أن يترافق مع نمو للعلاقات الأخوية وحسن الجوار وتسهيل عمل المغتربين اليمنيين في المملكة حيث كانت أوضاع المغتربين ركناً اساسياً في ملف علاقات البلدين وإتفاقاتهما التاريخية بداية من الطائف، وكذلك باعتبار الملف الحدودي جزء من حزمة مترابطة تفتح صفحة جديدة للعلاقات الإستثنائية بين البلدين الشقيقين.

كثير من الكتاب والصحفيين والمثقفين والناشطين اليمنيين، وأنا منهم، ومعهم المزاج العام في الشارع اليمني ترسخت لديهم قناعات بأن الشراكة الإستراتيجية والتكامل بين اليمن والسعودية أمر حتمي ولا مناص منه لتحقيق مصالح شعبيهما, لكن أن تأتي السياسات السعودية الأخيرة على هذا النحو العدائي لليمنيين فالنتيجة الوحيدة هي أنها تلف هذه القناعات بعلامة إستفهام كبيرة، ومثلها علامة إستفهام أكبر منها: لمصلحة من هذه السياسات ؟؟ ولخدمة من ؟؟