الحاجز السعودي مع اليمن .. ضرورة أم جدار للتعالي ؟!



عثمان تراث - تواصل السعودية منذ فترة بناء حاجز فاصل بين أراضيها والأرضي اليمنية، وفيما تعتبر الرياض أن بناء هذا الحاجز ضروري لحماية أراضيها من عمليات تهريب خطيرة تجري عبر حدودها الجنوبية مع اليمن, فإن الكثير من اليمنيين يحتجون عليه بشده ويعتبرونه نوعاً من استمرار التعالي السعودي على اليمن، وجداراً للقطيعة وتأييد الكراهية بين الأشقاء.

 - معاناة السعودية.
منذ سنوات طويلة تشكو السعودية من تهريب البشر والأسلحة والمخدرات والقات الى أراضيها من اليمن, إضافة الى تهريب السلع المتبادل عبر الحدود البري التي تمتد لنحو 1770 كيلو مترا بين البلدين.

ولا تعد تلك الحدود معبرا للمتسللين اليمنيين فقط, بل لكثيرين غيرهم يفدون للمناطق الحدودية اليمنية من العديد من الدول الأفريقية والأسيوية للدخول خلسة الى أراضي المملكة الغنية بالنفط، وتفيد بعض الإحصائيات أن قوات الأمن السعودية تصد أكثر من ألف متسلل يومياً الى أراضيها, فيما يستطيع كثيرون آخرون الدخول الى هناك بواسطة مهربين يمنيين وسعوديين.

- التهريب باتجاهين. 
 وفي تلك الحدود المترامية لا يسير تهريب البشر في إتجاه واحد, فهو ليس تهريباً من اليمن الى السعودية فقط, فهناك الكثير من المطلوبين داخل السعودية (سعوديين أو مقيمين) يفرون الى اليمن تسللاً عبر الحدود، وأخطر هؤلاء هم أعضاء تنظيم "قاعدة الجهاد في جزيرة العرب" الذي يتخذ من اليمن مقراً رئيسيا له, كما أن الكثير من المغتربين العرب والأفارقة والأسيويين المخالفين لنظام الإقامة أو نظام الكفالة، في السعودية يفضلون الخروج من هناك عبر التهريب الى اليمن حتى يستطيعوا العودة مرة أخرى الى السعودية.

- الأسلحة والمخدرات.
لا يقتصر التهريب من اليمن الى السعودية على البشر فقط, بل يشمل ما هو أخطر المخدرات والأسلحة وكلاهما يصل الى اليمن تهريبا عبر حدودها البحرية الطويلة، ويكون مقصدهما النهائي هو السعودية وبقية دول الخليج.

يقول الأمير "محمد بن ناصر" أمير منطقة جازان إن قوات حرس الحدود السعودية تصادر أسلحة يتم تهريبها من اليمن الى السعودية بمعدل كل ساعة تقريباً.

- فكرة الجدار.
الجدار أو السياج المكهرب الذي بدأت السلطات السعودية بناءه قبل أشهر هو سياج مكهرب ومزود بأنظمة رصد إلكترونية، ويبلغ إرتفاعه ثلاثة أمتار، ويمتد على طول الحدود اليمنية السعودية.

وهذا السياج ليس فكرة جديدة, فقد شرعت السلطات السعودية أواخر عام 2003 في بناء جدار في المنطقة الحدودية الغربية بين البلدين، وعندها أعتبرت اليمن أن بناء ذلك الجدار يخالف مواد من إتفاق ترسيم الحدود القائم بموجب معاهدتي الطائف وجدة الموقعتين بين البلدين, إذ يتضمن ذلك الإتفاق تعهد الطرفين بعدم إحداث أي بناء محصن في مسافة خمسة كيلومترات في كل جانب من جانبي الحدود، وإخلاء هذه المسافة من إي موقع عسكري, كما يتضمن تحديد منطقة عشرين كيلومتر على جانبي الحدود يحق للرعاة من البلدين استخدام مناطق الرعي ومصادر المياه.

وبعد إتصالات مكثفة بين البلدين في فبراير 2004، وافقت السعودية على إيقاف أعمال البناء في الحاجز، وإزالة ما تم إنشاؤه منه، وتوصلا البلدين الى إتفاق تام على أمن الحدود بينهما والعمل المشترك لتسيير دوريات أمنية مشتركة على طول خط الحدود ووضع نقاط للمراقبة الأمنية على جانبي الحدود وتحديد منافذ العبور للرعي ووضع ترتيبات أمنية مشتركة في المناطق التي يحتمل التسلل والتهريب منها".

وجرت في الفترة اللاحقة العديد من اللقاءات واجتماعات اللجان المشتركة لحماية امن الحدود، ومكافحة التهريب, لكن المشكلة ظلت قائمة، ولذلك فقد جددت السعودية نيتها بناء جدار عازل بين البلدين.

- تفاقم المشكلة.
مع حالة الإنفلات الأمني التي شهدتها اليمن خلال الثورة الشبابية الشعبية في 2011 وما بعدها تفاقمت مشكلة التهريب على الحدود اليمنية السعودية، ويبدو أن الرياض لم تجد بُداً من العودة الى فكرة الجدار مجدداُ.

أمير منطقة جازان الأمير "محمد بن ناصر" سمى ذلك الجدار "حرم الحدود"، وقال في حديث نشرته جريدة الرياض في أكتوبر 2012 "هناك معاهدة بيننا وبين الشقيقة اليمن في وضع حرم حدود يمتد من الموسم (عند البحر الأحمر غربا) إلى الخرخير" (حيث نقطة التقاء الحدود اليمنية العمانية السعودية شرقا)، وبعد أن أشار الأمير الى وجود بعض إحتجاجات من بعض رجال القبائل على إنشاء هذا "الحرم"، أكد أن ليس هناك رجعة عنه موضحاً أن هذا المشروع يكلف الدولة "آلاف الملايين".

وفي 16 مارس من العام الجاري 2013م قال أمير منطقة عسير إن الخلافات مع الجانب اليمني حول مشروع بناء سياج أمني سعودي على طول الشريط الحدودي أنتهت، وأوضح أن أعمال بناء السياج مستمرة، وتوقع أن تنتهي في غضون عام.

- المواقف اليمنية.
لم يعلن حتى الآن أي رد فعل يمني رسمي على عودة السعودية لبناء الحاجز الفاصل، أما على الصعيد الشعبي فقد تحدثت الأنباء في مارس الماضي عن سقوط قتلى وجرحى في إشتباكات وقعت بين القوات الحكومية السعودية ورجال قبائل يمنيين في محافظة الجوف اليمنية محتجين على بناء الجدار، وعلى شق طريق إسفلتي في المنطقة الحدودية، ويتهمون القوات السعودية باستحداث موقع عسكري في جبل يقع داخل الحدود اليمنية.

وعبّر العديد من السياسيين والمثقفين والكتاب وبعض المنظمات الحقوقية في اليمن عن إحتجاجهم على بناء الحاجز.

- جدار الكراهية.
يعتقد الكاتب والباحث اليمني "محمد المقالح " أن مجرد التفكير بعمل جدار عازل على الحدود اليمنية السعودية دليل على العنصرية والكراهية التي يكنها راسمو السياسية السعودية تجاه اليمن واليمنيين"، ويقول في حديث لإذاعة هولندا العالمية: "يفترض أن تكون الحدود بين الشعوب والدول جسوراً للصداقة والأخوة والمصالح المشتركة, في حين تسعى السعودية الى جعل تلك الحدود جدرانا للقطيعة، ومعالم للذاكرة المجروحة بين البلدين".

- يمنيون متفهمون.
ومع ذلك فهناك يمنيون عبروا عن إستيعابهم للظروف التي دفعت السعودية لإقامة الجدار الحاجز، ومن بين هؤلاء يرى الباحث اليمني "عبدالناصر المودع" أن حدود السعودية مع اليمن تمثل نقطة الضعف الأساسية في حدود السعودية مع الخارج، ويقول في حديثه للإذاعة.

"للسعودية الحق في أن تتخذ ما تشاء من الوسائل المشروعة لحماية أراضيه, بما في ذلك بناء الجدار الحاجز بينها وبين اليمن", لكنه يؤكد أن ذلك يجب ألا يتم بمخالفة معاهداتي الحدود بين البلدين, أي أن يتم إنشاء هذا الجدار بعد منطقة الخمس كيلومترات التي تحظر إتفاقية الحدود إقامة بناء محصن فيها، وأن تكون هناك بوابات في الجدار تسمح بضمان حق الرعاة في ممارسة الرعي على مسافة العشرين كيلو متر المنصوص عليها.

ويضيف المودع: هناك قوى في اليمن معادية للسعودية ومن مصلحتها أن تخلق للسعودية مشكلات مثل التهريب، ويقول إن القوى المستفيدة من التهريب تأتي في مقدمة الرافضين لبناء الحاجز، ويوضح أن هذه القوى تشكلت خلال السنوات الماضية من مافيات قوية وضخمة، وصار لها نفوذ قوي في السلطة.