الإخوان كضحايا للمشروع الأمريكي



عبدالرحمن الأهنومي - يُقال بأن السياسة" هي "فن الممكن" ورؤى الشعراء والفلاسفة هي "فن المستحيل" لأن السياسي يسعى إلى بلوغ ما هو ممكن على أرض الواقع والمحدد في منطلقاته وآفاقه وبما يمكن أن يتم تحقيقه، وبالتالي فهو يرتبط بفكرة "المصلحة" أما عن رؤى الفلاسفة والشعراء فهي في الغالب أحلام مستحيلة ليس بمعنى استحالة التحقيق, بل هي إستحالة نابعة من لهفة إنسانية للمزيد, فكلما تحققت "رؤية" دفع الشغف الإنساني لتحقيق الأفضل فهي أشبه بالسراب كلما بلغه الإنسان أدرك أنه لم يبلغ شيئا، وبعيداً عن إيجابيات أو سلبيات الإنطلاق من هذه الفكرة فقط, أحاول قراءة المشهد المصري كجزء من مشهد عربي إقليمي جاء إبان مصطلح "الربيع العربي" الذي أيدته أطراف واعترضت عليه أخرى.

سواء كنا في مرحلة ثورية أو إنتقالية أو حكم دستوري منتخب, تظل عوامل ثلاثة هي من تتحكم في الساحة العربية هذه العوامل الثلاث هي - إيران - أمريكا إسرائيل - الدول العربية, فضلاً عن أيقونات عديدة لكل عامل من هذه العوامل كقطر مثلاً التي كانت الأيقونة الإعلامية التي دخلت أمريكا من خلالها للبسط على إحتجاجات الربيع العربي, إضافة إلى أيقونة ميدانية "الإخوان المسلمين" لعبوا هذا الدور الميداني لخدمة العامل الأمريكي.

وبمتابعة دور الأيقونة الميدانية لأمريكا في الساحة العربية "الإخوان المسلمين" أستطيع أن أجزم بالقول بأن "العالم العربي ساحة الصهيل الأمريكية".

من الثابت بأن ثورات أنطلقت في كثير من البلدان بداية 2011 وكانت بوصلتها القضية الفلسطينية وقبلتها القدس، وهو ما شكل خطراً حقيقياً على أمريكا وإسرائيل, فلم يكن أمام إسرائيل وأمريكا إلا العمل على إيجاد بديل قادر على مواصلة السير وفقا للمصالح "الصهيوأمريكية"، ومن داخل ساحات الربيع ويتمتع بقبول شعبي وعربي، ولم يكن هناك بديل بهذه المواصفات سوى "الإخوان المسلمين" فهم التنظيم الوحيد الذي يمتلك الشعبية الأبرز وهي القوة الوحيدة المنظمة داخل ساحات الثورة.

تحدث الكثير من المحللين وعلى رأسهم "هيكل" عن وجود صفقة كبرى أبرمت بنودها بين جماعات الإخوان المسلمين، وبين الولايات المتحدة الأمريكية, مقتضاها تمكين الإخوان من ميراث الأنظمة العربية "الشائخة" مقابل أن يقدم الإخوان تنازلات عدة منها عدم المساس باتفاقية كامب ديفيد، وتنفيذ مشروع طائفي يقضي بإيقاع المواجهة بين السنة والشيعة والعمل بناء على ذلك الوتر, إضافة إلى تسخير المكتسبات الإخوانية لإسقاط الدولة السورية ومواجهة حزب الله والعمل على تأليب الشارع عليهما وجعلهما قضية أولوية بديلا عن اولوية القضية الفلسطينية.

وبرغم أن الجماعة الإسلامية كانت تنفي وبشدة وجود صفقات إلا أنها في الكثير من التصريحات تعترف بوجود تفاهمات إيجابية مع أمريكا.

ظلت علاقة الإخوان بأمريكا غير مفهومة, لكن التحولات المتسارعة التي شهدتها الدول العربية، والتناقضات والتعقيدات لم تكن مفهومة أيضاً، وبقدر ما كان الإخوان في بلدٍ كمصر "حلفاء" جدد لأمريكا, كان الإخوان في بلدٍ كالأردن والإمارات خصوم للأنظمة التي هي في الأصل جزء من المشروع الأمريكي وهو ما يعني أن الإخوان ليسوا أكثر من ورقة أمريكية كالأنظمة التي ورثوها.

المسارات التي رسمتها أمريكا في المنطقة العربية بشكل عام ربما أخطأت في تشخيص الحالة السورية, فلم يكن في حسبانها بأن الجيش السوري سيصمد ذلك الصمود الأسطوري، ولفترة خيالية، وبعد أن أحرقت كل أوراقها لمواجهة الجيش العربي السوري بدءاً بزج تركيا في الحرب على سوريا وانتهاء بالدور "القطري السعودي" في تسليح المقاتلين ونقلهم إلى سوريا للقتال, بدأ القطار الأمريكي يلف لفته المعتادة, فالأمريكيين أدركوا أنهم فقدوا كل أوراقهم للتعامل مع الأزمة السورية، ولم يكن تغيير الأمير القطري بعيداً عن تغيير العقل السياسي الأمريكي للتعامل مع مرحلة جديدة تبدو غامضة ومتناقضة.

لم يكن الإخوان مخلصين لأوطانهم حينما قدموا أنفسهم كبديل للأنظمة السابقة إبان الإحتجاجات العربية في 2011، وإنما جاءوا بناء على رغبة امريكية، وكان إمتحانهم الاول هي الحرب الأخيرة على غزة فنجحوا على صعيدين, على صعيد إرضاء أمريكا وعلى صعيد إقناع الشارع العربي بأنهم لعبوا دوراً محوريا في مواجهة إسرائيل من خلال "تحركات شكلية" جاءت بناء على إشارات خضراء من أمريكا، وبدأت بزيارة رئيس الوزراء المصري "قنديل" إلى قطاع غزة أثناء الحرب الإسرائلية ثم زيارات "حمد قطر" وانتهاء بزيارة القرضاوي.

تظل السياسة لعبة قد نفهمها ونقبل قواعدها أو نرفضها ولكن في نهاية الأمر لا يجب أن نكون مخدوعين بها، ويجب أن لا يكون تعاملنا مع كل مدعي يجعل جواد المصلحة مطيته على أنه فارس الخير آخر الزمان, ما يجب علينا أن تظل رؤيتنا رصينة وهادئة, فكل من يخوض العمل السياسي في عصرنا الراهن لا يسعى إلا إلى تحقيق مصالحه, أما مصالح الضعفاء والمقهورين من أبناء الشعوب وسيادتهم, فقد يتبناها هذا الطرف أو ذاك فقط لمجرد الوصول إلى مصالحه الخاصة حتى ولو أكثر الكلام بالعمل على تحقيق أحلام المقهورين.

الأخوان كانوا ضحية للمشروع الأمريكي فوقعوا في فخ وقعت فيه الأنظمة السابقة, فأظهرهم ذلك المشروع على أنهم جماعة "براجماتية ميكيافيلية" الغاية لديها تبرر الوسيلة تطمح في السلطة لا غيرها، وفي سبيل ذلك كان الصعود على حساب تخلي الجماعة عن أدبياتها ومبادئها وادعاءاتها، وعملها ضداً على استكمال ونجاح ثورات الشعوب العربية ومع التنفيذ الحرفي لبقايا المشروع الأمريكي.

مصر الآن تصنع تحولا آخر في المنطقة، وأمريكا لديها حساباتها وربما الآن على أمريكا أن تعيد إلى الواجهة بقايا الأنظمة السابقة، وعليها أن تتخلى على الإخوان ليس لأنهم امتنعوا عن تنفيذ المشروع الأمريكي بل لأنهم فشلوا في تنفيذه وعليهم الآن أن يعودوا إلى ما كانوا فيه قبل ثورات الربيع.

سأنظر إلى ما يحدث في مصر بحذر, أمريكا حاضرة في المشهد ولها حساباتها ولا أستبعد أن يُعاد تشكيل المعادلة بما يحفظ لأمريكا مصالحها، ولإسرائيل أمنها ومن داخل ميدان التحرير في مصر.

أخشى أن تكون مصر هي الأخرى ضحية لصراع قادم كما كانت في سوريا.