مــكــانني ظمـــآآآآن


صدام النظيف - تعد مشكلة نضوب المياه في محافظة تعز الأقدم من نوعها في اليمن وإذا كانت صنعاء هي أول عاصمة مهددة بالنضوب في العالم, فإن تعز هي أول مدينة، وتمتلك تعز 3 أحواض مائية وهي "الحيمة والضباب والحوبان", جميعها مهدّدة بالنضوب وتحوي الأحواض الثلاثة حوالي 120 بئراً ارتوازية تابعة لمشروع المياه, منها 63 قد نضبت تماماً و15خارج نطاق الخدمة, بسب مشاكل وأعطال فنية في المولدات والمضخات.

أما البقية فمازالت تغذي المدينة بـ 17000 مترمكعب يومياً ولكن الإحتياج اليومي للسكان من المياه هو 56000 متر مكعب وهذا يعني نقص 26000 مترمكعب من الاحتياج للمياه, في ظل النضوب المستمر للآبار ما يجعل الوضع أكثر تعقيدا في ظل تناقصها عاماً بعد عام وذلك بحسب المهندس "عبدالسلام الحكيمي" مدير عام مؤسسة المياه والصرف الصحي في تعز وهذا ما تم التأكد منه ميدانياً أيضاً وما يستنتج مما سبق أن تعز الأكثر سكاناً في اليمن ستكون السبّاقة في نضوب آبارها عالمياً، وذلك إذا ما افترضنا أن في كل عام ستنضب خمس آبار, مقارنة بعدد الآبار التي قد نضبت من قبل خلال العقدين الماضيين، والتي تجاوزت نصف ما هو موجود الآن, مع الأخذ في الإعتبار أن عدد السكان قد تضاعف إلى النصف وهذا يعني زيادة الإستهلاك للمياه إلى الضعف, بالإضافة إلى قلة تساقط الأمطار والتي تتناقص عاماً بعد عام, ما يعني إننا مقبلون على جفاف وتصحر خلال العقد القادم.

- القات قاتل المستقبل.
حوضا "الحيمة والحوبان" لا تقل معاناة عن حوض الضباب, خاصة وأنه في تلك المناطق تزداد فيها حفر الآبار العشوائية التي تروي مزارع القات، وما نختص به هنا هو منطقة "ماوية" التي تكثر فيها زراعة القات, إذ تستهلك هذه الشجرة لوحدها قرابة 61% من مجموع الإستهلاكات الأخرى بحسب الدراسات, بينما يستهلك ري المزروعات الأخرى قرابة 30% ،أما الاستهلاك المنزلي والصناعي فهو 9% فقط.

وهذا يبيّن أن من الأسباب الرئيسة لنضوب الآبار هو ري أشجار القات التي تستهلك أكثر من نصف الاستهلاك العام.

 - آبار عشوائية.
إن حفر الآبار بحثاً عن الماء يتطلب مواصفات تختلف من بئر إلى أخرى, حسب الظروف كالمسافات بين الآبار وعمق الحفر، ولكن الملاحظ هو عكس ذلك, إذ يصل عدد الآبار العشوائية المحفورة بدون تصاريح من مؤسسة المياه إلى 500 بئر منها أكثر من 100 في منطقة "“ماوية" وحدها, حيث مكان وجود القات المدمِّر الرئيس لسكان لمدينة تعز مع العلم أن عدد هذه الآبار العشوائية في تزايد مستمر، وهذا يشكِّل تهديداً حقيقياً لنضوب الحياة.

- المهندس "محمد عبادي" مدير مصادر المياه في المؤسسة العامة للمياه والصرفي الصحي في تعز يقول: إن عمق الحفر في منطقة "ماوية" وصل إلى 950 متراً تحت الأرض بحثاً عن المياه الجوفية من أجل تسقية أشجار القات, بينما مؤسسة المياه في تعز لم تصل إلى عمق 500 متر بسبب إمكانياتها الشحيحة مقارنة بإمكانيات مواطن عادي يمتلك مزرعة أو مزرعتين للقات، وأضاف: إن مؤسسة المياه في صنعاء وصلت إلى عمق 1200 متر تحت الأرض, بينما في تعز لم تتمكن مؤسسة المياه من حفر آبار استكشافية للبحث عن طبقة الحجر الرملي حيث يمكن أن يجدوا الماء.

- قلّة الأمطار وزيادة الإستهلاك.
لوحظ في السنوات الأخيرة قلة الأمطار بشكل كبير، والتي لم تعد تغطي ما نستهلكه من المياه السطحية والجوفية, - يقول المهندس عبادي: إن ما يسقط على مدينة تعز من الأمطار يقدر بنحو 83 مليون متر مكعب منها 15 مليون متر مكعب كمية متجددة, نصفها تسحبه المؤسسة، والنصف الآخر يسحبه المواطنون من أصحاب الآبار, في حين إننا بحاجة ضعفي هذه الكمية المتجددة, محذراً بأنه وفي ظل إستمرار تناقص الأمطار عاماً بعد عام مثل ما هو ملحوظ مع زيادة الإستهلاك للمياه في ظل تزايد عدد السكان والزحف العمراني فإن الوضع سيصبح في الأعوام القادمة أسوأ من سيئ متمثلاً في الجفاف والتصحر، وقد يصل حتى إلى العطش، وأوضح عبادي إن من مسببات الجفاف ونضوب المياه وتفاقم الأزمة هو غياب السدود والحواجز المائية، والتي تعمل على إصطياد مياه الأمطار كون مياه السدود تستخدم في محاربة الجفاف من خلال ري المزارع, بالإضافة إلى أنها تحد من نضوب الآبار كونها تخفف الضغط على سحب المياه الجوفية، وهذا كافٍ للإستفادة منها, مبيناً أن تعز تفتقر إلى دراسات إستكشافية جيوفزيائية، والتي من شأنها التعرف على طبقات الأرض لمعرفة الأماكن والأحواض التي تتجمّع فيها المياه.

- غلبة الدين وقهر الرجال.
من أعقد المشاكل التي تعاني منها المؤسسة هي مديونيتها البالغة أكثر من مليار ريال, نصفها للحكومة ونصفها الآخر لقطاعات خاصة ما يعني أن المؤسسة باتت مفلسة تماماً, علماً بأن ما تدخره المؤسسة لا يتجاوز 95 مليون ريال شهرياً, منها 70 مليون ريال تقريباً من الحكومة كميزانية لرواتب موظفيها و23 مليون ريال فقط ما يتم تحصيله من فواتير عدادات المياه من المواطنين, مقابل مشروع المياه، وخدمات الصرف الصحي مع العلم بأن قرابة نصف المشتركين من المواطنين باتوا لا يسدِّدون ما عليهم في ظل غياب النظام والأمن والإلتزام، وبذلك فإنه ومن الواجب أن تتدخل الحكومة فوراً لإنقاذ المؤسسة، وذلك بمضاعفة ميزانيتها ضعف ما عليه الآن بدل من مطالبتها بما تسميه بمديونيتها كونها باتت معرضة للمزيد من التدهور، وتفاقم أزمة المياه في المدينة لأن المسألة تخص حياة المجتمع عامة، ومؤسسة المياه خدمية أكثرمما هي إستثمارية, كما أن المؤسسة بحاجة إلى ميزانية خاصة بعيدة عن رواتب الموظفين، وذلك لتأدية أعمالها المتطلبة كحفر الآبار والصيانة وغيرها، وذلك بحسب "محمد الأديمي" نائب المدير العام للشؤون الفنية بمؤسسة المياه في تعز والذي يضيف: إن من الصعاب التي تواجهها المؤسسة أيضاً الأعطال المستمرة التي تواجه مولدات ومضخات الآبار بسبب ظروف حتمية مختلفة, فمثلاً في منطقة "الضباب" تعمل أربع آبار فقط من أصل تسع, ونتيجة لهذا العجز فإن مياه المشروع تتأخر عن وصولها إلى المنازل في مواعيدها, وهذا ما يجعل البعض من المواطنين لا يتجاوبون في تسديد فواتير رسوم المياه للمؤسسة, لتضطر المؤسسة بعد ذلك إلى أخذ عداد مياه المواطن, غير مدركة بأنها تقوم بتخفيف عبء العداد عنه, تاركة له قصب المياه ليشرب مجاناً بدل من إجتذارها من الأرض.

- مصدر آخر في المؤسسة أوضح - بأن ما زاد الأمر تعقيداً هو أنه لا يتم تجاوب الأمن وأقسام الشرطة في المدينة مع المؤسسة إلا بحق القات، وذلك من أجل إصطياد بعض البلاطجة المرتزقين الذين باتوا يملكون مفاتيح توزيع المياه في بعض الحارات, حيث يقومون بفتح المحابس وتوزيع المياه مقابل أموال يجمعونها من أصحاب هذه الحارات.

- لا مياه بلا كهرباء.
"محمد الهمداني"، والذي يعتبر همزة الوصل بين كل من المشترك والتوزيع, يقول: إن عدم التنسيق ما بين إدارة الكهرباء والمياه يصعِّب من وصول المياه إلى المواطن في موعدها المحدد حسب جداول التوزيع, حيث أنه من المفترض أن لا تنقطع الكهرباء عن الحارات التي يتم توزيع المياه إليها، وهذا ما شهدته منطقة "الحيمة" مؤخراً, إذ أن المياه ظلت مقطوعة عنهم لأكثر من 6 أشهر, كما أن آبارها والتي تغذِّي معظم مدينة تعز, تتوقف عن الخدمة باستمرار نتيجة لإعتداءات المتكررة من قبل المسلحين على مولداتها الكهربائية, ما يزيد من ذلك الضغط على المولدات البديلة عن الكهرباء، والتي يستحيل أن تكافئ قوة الكهرباء العمومية في ضخ المياه, خاصة وأنإ تعز أغلب منازلها تقع في المرتفعات ما يجعل فرص ساكني هذه المناطق تكاد تكون شبه منعدمة في الحصول على أقساطها من مياه المشروع, مقارنة بساكني المناطق المنخفضة خاصة الذين يمتلكون خزانات أرضية تقوم بسحب المياه إليها إلى حين متلائها حارمة بذلك الخزانات المرتفعة من حصصها ما يؤدي ذلك إلى توزيع غير عادل ومنصف للمياه بين السكان.

- تلاعب بالتوزيع.
أحد المصادر في مؤسسة المياه أخبرنا: بأنهم اكتشفوا مؤخراً أن بعض المواطنين يمتلكون مواسير تحت الأرض تمتد مباشرة من أنابيب المؤسسة إلى بيوتهم دون عدادات نتيجة للتلاعب الذي حصل من بعض مهندسي وعُمال الشركة المصرية التي اشتغلت مشروع مياه شبكة تعز, حيث زودتهم بهذه المواسير بمقابل مادي على حد قوله, كما أضاف المصدر: إن الموزعين باتوا لا يدركون عملهم, حيث أن أغلبهم أصبحوا يتلاعبون في التوزيع بمقابل مادي يُجمع لهم من أهالي الحارات عبر عُقّالها، وهذا ما أكده لنا أيضاً بعض من ساكني هذه الحارات, كالجمهوري ووادي القاضي, مع التنويه أيضاً إلى أن إدارة التوزيع في المؤسسة, أعتذرت عن الحديث معنا لأكثر من مرة لإنشغالها بتوزيع المياه (وأي مياهٍ يتحدثون عنها).

- تحلية البحر.
 كان المهندس "محمد الأديمي" قد أكد لنا بأن تحلية مياه البحر من "المخا" هو المنقذ الوحيد لمدينة تعز, معتبراً إياه بأنه مشروع الأجيال، وأوضح بأن تحلية البحر ونقلها عبر الأنابيب إلى تعز لن يكون مكلفاً على المواطن كما يقول البعض, أي أن ما سيحصل عليه المواطن من الماء, إذا عادلناه بحجم وايت مياه سعة 5000 لتر فإنه سيكون بسعر 2000 ريال إذا كثرت, مع العلم بأن سعر الوايت هذه الأيام يتجاوز ضعف هذا المبلغ, هذا ويذكر أن مشروع تحلية مياه بحر "المخا" إلى تعز بدأ تنفيذه في العام 2006م بتكلفة 420 مليون دولار كهبة من السعودية الشقيقة, لكن المياه لم تعرف طريقها إلى تعز عبر الأنابيب حتى الآن بسبب تراجع الممول عن قراره إلى حين إيجاد ممول آخر, فواقعنا بات يقول: إن حياتنا أصبحت تحت رحمة الآخرين، ولكن لا يعني ذلك أن نقف مكتوفي الأيدي, فهناك حلول جذرية أخرى بديلة عن محطة مياه المخا تم إستخلاصها وتقنينها مما سبق مثل:

- إنشاء السدود والحواجز المائية لإحتجاز مياه الأمطار والسيول، وبالتالي فإنه يمكن إستخدام هذه المياه في الري، وفي الشرب أيضاً من خلال تحليتها المنخفضة تكلفتها كونها قريبة من المدن, كما أنه يمكن توليد الكهرباء من خلال هذه السدود، ويكون ذلك من خلال تقديم الدعم الكافي والميزانية المعقولة لمؤسسة المياه, لإنشاء ما سبق ذكره، وكذلك للتنقيب عن آبار جديدة من خلال الدراسات الاستكشافية وحفر آبار إسعافية في حال اقتضاء الحاجة إليها, لهذا يجب أن يكون هناك تنسيق وتعاون بين وزارتي المياه والمالية، وصرف المالية لمديونية المؤسسة حتى تتمكن المؤسسة من توفير الديزل وصيانة المضخات والمولدات باستمرار وعمل ما يلزم تنفيذه, كما يجب التواصل المستمر بين مؤسسة المياه مع وزارة المياه, لمعرفة كل احتياجاتها المنطقية وتلبيتها.
- شق بحيرات أوأنهار إصطناعية وهذا مستحيل في بلادنا فقط, كما يمكن إعادة تصريف مياه الصرف الصحي لإستخدامها في ري وتسقية الأشجار والمزارع بشكل عام.
- إرشاد ومساعدة المواطنين على ري مزارعهم بالتقطير، والحد من زراعة القات، والعمل على توعية المواطن بمخاطر هذه الشجرة كونها تستهلك لوحدها ضعف ما يتم إستهلاكه، ويبرز هنا دور الإعلام في ذلك, لذا يجب التنسيق بين وزارتي المياه والإعلام من خلال تقديم فلاشات إعلانية تلفزيونية وإذاعية وكتابة المقالات الصحفية، وإقامة مؤتمرات وندوات حول ذلك, بالإضافة إلى حث المواطنين على إنشاء خزانات لحصاد مياه الأمطار والإستفادة منها وذلك بتجميع المياه من سطوح المنازل وتوعيتهم في أهمية الحفاظ على المياه وعدم الإسراف كونها أساس الحياة.

- يجب على وزارة الزراعة أن تتبنى غرس الأشجار في المدن والأرياف وخاصة في المرتفعات كونها تغذي طبقات الجو بالرطوبة اللازمة لتشكيل السحب وسحب المياه من الطبقات السفلية من التربة وهذا ما أكده الباحثون - إن الأشجار والغابات تحتفظ بالحرارة على سطحها ولون الأشجار الغامق يساعد على تخزين الحرارة في سطحها, ما يكوِّن حزماً هوائية ساخنة تصعد إلى الأعلى، وبالتالي هطول الأمطار باستمرار وبشكل موسمي, فماذا سيحصل لو تم زرع 100ألف شجرة في تعز أو 2 مليون شجرة في اليمن وحث المواطن على ذلك.
- ينبغي تعاون أجهزة الأمن مع مؤسسة المياه حتى يسهل لها القيام بأعمالها بدون عرقلة المسلَّحين, كما يجب التنسيق بين الكهرباء والمياه بحيث لا تنطفئ الكهرباء عن الأماكن أو الحارات التي تغذي لها المياه.
- إعادة هيكلة وصيانة شبكة مشروع مياه تعز كونها أصبحت لعبة بأيدي العابثين, أو أن تقوم مؤسسة المياه عوضاً عن ذلك بتوصيل وايت مياه كل شهر أو نصف شهر إلى كل منزل مشترك وهذا مضحك.

الحلول كثيرة جداً لتجاوز الأزمة ولا تخفى على صانعيها، وهم أعلم بها منا لأننا لسنا متخصصين بطبيعة الحال في هذا المجال، ولربما قد تكون معقدة نوعاً ما ولكن إذا ما تعين على المعنيين أخذ الأمور بجدية والتفكير في المستقبل الذي ينتظرنا جميعاً في ظل الأوضاع الراهنة والعمل من الآن على إنقاذ أجيالنا, إن لم يكونوا يريدون إنقاذنا, فإن الرحيل خارج الوطن كما رحل أجدادنا سابقاً في "مارب" والسبيل والملاذ من البقاء والموت عطشاً.

- المصير واحد.
لم أكن الوحيد من كتب عن نضوب المياه في تعز, بل إن الكثيرين من قبلي كتبوا أيضاً في هذا الشأن, لكن المسؤولين كانوا يستسهلون الوضع دون مبالاة, حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، ولربما قد يكون كلامي من محض الجنون, إن قلت إن بإمكاننا الرجوع بالزمن إلى الخلف لتدارك الوضع, فالزمن لايمكن أن يعود إلى الوراء أبداً, ولكن لكوننا أهل حكمة وأرق قلوباً, نستطيع أن نعيده إلى تاريخ صدور هذا التحقيق, وذلك في حال إذا تكاتفت وتعاونت كل الجهود الشعبية والشخصيات المعنية والمجتمع عامة, دولة وحكومة ومواطنين, بالإضافة إلى تعامل أعضاء مؤتمر الحوار الوطني بجدية أكبر لتفعيل الحلول اللازمة, لمواجهة وتجاوز كارثة نضوب المياه, ليس في تعز فحسب, بل أيضاً في "صنعاء ولحج وحجة" وغيرها, كون المصير الذي ينتظرنا واحداً.

في النهاية لا تنسوا صلاة "الإستسقاء" وتآخوا وتراحموا فيما بينكم حتى يرحمكم الله (وكل عام وأنتم مرتوون).