وثيقة بن عمر فرصة تاريخية نادرة


أحمد الفقيه - دار كثير من السجال حول إتفاق "الحل العادل للقضية الجنوبية" الذي صدق عليه الرئيس وتحفظت على بعض بنوده ثلاث قوى رئيسية, أكثرها وجاهة كان الإعتراض الإشتراكي على تقسيم الجنوب الى أقليمين, أما الذين تحدثوا عن إخلال الوثيقة بالمواطنة المتساوية لصالح الجنوب على مدى دورة إنتخابية قادمة فقد غابت عنهم أمور أكثر أهمية.

أهم تحد يواجه اليمنيين اليوم هو بناء الدولة, فدولتنا يصفها العالم إذا أنصفها بأنها دولة على أعتاب الفشل وللدولة الفاشلة مواصفاتها فهي الدولة التي لا تفرض فيها حكومتها سيطرة فعالة على أراضيها ولا ينظر إليها على أنها شرعية من قبل شريحة مهمة من سكانها، ولا تقدم الأمان الداخلي أو خدمات عامة أساسية لمواطنيها وتفتقر الى إحتكار إستخدام القوة وكل هذا متوفر لدينا.

تتميز الدولة بالنظام القانون والمؤسسات بصرف النظر عن الجور والعدل, دولة تحتكم مع الناس الى القانون مدنيا كان أو شريعة وبعد دولة الإمام في الشمال ترسخت مظاهر اللادولة (حكم أمراء حرب عسكريين وقبليين متضايفين على مائدة الوطن يستغلون المناطق ازراعية كإب وتهامة والتجارية كتعز ابشع استغلال) وبقيت الدولة في الجنوب قائمة على ماورثته من بريطانيا.

ومع الوحدة لم يتم نقل الدولة من الجنوب الى الشمال كما كان مؤملا, بل حدث العكس أي جرى نقل الفوضى والنهب المناطقي الشماليين الى الجنوب وأضيفت الى عناصر الفوضى التي تتصدرها قوى إجتماعية متخلفة وعميلة, أي شيوخ القبائل ورجال الدين تنظيمات جهادية إرهابية تغلغلت في الأجهزة الأمنية والعسكرية والجهاز الإداري المدني وقد تفاقم ذلك عقب تأليف حكومة الوفاق طبقا للمبادرة الخليجية حيث تم إختراق القوات المسلحة بشقيها العسكري والامني وضمت اليهما عناصر حزبية ذات توجهات جهادية وتكفيرية بعشرات الآلاف. 

وكانت حرب 1994 قد خلقت حالة شعور بالإضطهاد والظلم لدى شعب الجنوب الذي أضحى يصف السلطة القائمة بأنها إحتلال وأنها تمارس نهباً واسعاً لأراضي ومؤسسات وثروات الجنوب وقد فضحت حرب 1994 كل عورات السلطة وفسادها الذي أصبح علنيا وعلى رؤوس الإشهاد.

أدى هذا الشعور إلى قيام الحراك الجنوبي الذي يتجه إلى التحول أمام عمليات القمع العسكرية إلى كفاح شامل, من حيث الوسائل ومن حيث الإمتداد الجغرافي بما في ذلك الكفاح المسلح .

أن إستمرار هذه الحال وهذا القمع يؤدي يوميا إلى أحداث شرخ عميق في النفوس والمشاعر بين الشماليين والجنوبيين لن يكون بالإمكان علاجه في المستقبل .

ويبدو لي أن إستعادة الجنوب لسيطرته على شؤونه  بأي شكل أصبح ضرورة شمالية كما هو ضروة جنوبية, فمن شأن حدوثه توفير الصدمة الضرورية لصحوة الشماليين السادرين في الخنوع ليأخذوا شؤون وطنهم بجدية وإرساء أسس دولة حقيقية تحل محل ما أصبح إتحادا لعصابات المافيا وإلا فأن عاقبتهم الوخيمة المفزعة تلوح في الأفق.