تحطيم الأصنام


أحمد الفقيه - لطالما عرف شيوخ القبائل الشمالية والشرقية ببذل ما ملكت أيديهم ومنعهم لحوزتهم وانهم شجعان لا يجتبنون المواجهة وأن شعارهم الدائم "العار لا يغسله الماء.. وانما يغسله الدم" وكان التحامهم مع قبائلهم وإقتراب أنماط معيشتهم من أنماط معيشة أفرادها هو سر قوتهم في مواجهة الدولة أو في مواجهة القبائل الأخرى حسب تعبير هذا الزا مل:
  يا سـلامي من الجوف للغادر ... يـا شويقاه لألفين حرّابــه
من يبا العز ما يشرب البارد ... يشرب المر من جملة أصحابه

قامت الدول الأجنبية التي حكمت اليمن عبر التاريخ بإبعاد شيوخ القبائل عن تولي المناصب في الدولة المركزية واكتفت باستخدامهم كوكلاء لها في مناطقهم. وقد كان الأمر كذلك خلال الحكم الحبشي ثم الفارسي ثم الاسلامي. 

وقد بالغ الإمام "يحي حميدالدين" في ذلك وهو الذي يمكن إعتباره أول من عمل على بناء الدولة المركزية في اليمن بصورة منهجية، ويظهر ذلك في إصراره على إيجاد مراكز حكومية في مختلف المناطق على رأسها نائب للإمام في الالوية (المحافظات) وعامل في كل قضاء (المديريات), إضافة إلى تعيين قضاة في كل من الألوية والقضوات مع إيجاد شرطة وحاميات عسكرية فيها.

وشهدت فترة حكمه إنتفاضات قبلية بقيادة شيوخ القبائل الذين لم يتقبلوا فكرة الحكم المركزي الذي جاء على حساب نفوذهم ومداخيلهم، قمعت كلها بقسوة وفعالية.

ثم جاء عهد ابنه الإمام "أحمد" ليصبح أكثر تركيزاً في هذا المجال, فعمل على بناء جيش حديث بدأت نواته في التشكل في عهد أبيه عبر البعثات العسكرية إلى العراق وإستيراد أنوع من العتاد العسكري وتوسع الأمام أحمد في ذلك وأستجلب الدبابات والطائرات والمدافع التي قامت في آخر المطاف بالقضاء على الحكم الإمامي 
.
وبقيام الثورة ازداد الدور العسكري لشيوخ القبائل وتم تعيين بعضهم في مناصب حكومية كبيرة في عهد السلال ثم توسع ذلك في عهد الأرياني حتى جاء حكم الحمدي وحاول عكس هذا التوجه، فجرى إغتياله في مؤامرة تولت المملكة السعودية التخطيط لها وتمويلها .

ما حدث منذ قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 في اليمن هو تصاعد نفوذ هؤلاء المشايخ فدب الفساد اليهم, لقد أفسدتهم رواتب اللجنة الخاصة السعودية وجعالات رؤساء الجمهورية وتمكينهم من السيطرة على مفاصل الثروة في البلاد, فأصبح أي منهم لا يختلف كثيراً عن شيخ الجعاشن أو أي شيخ من مشايخ تعز واب وتهامة، الذين يتحالفون مع السلطة لتمكين موظفيها الفاسدين من مشاركتهم في إختلاس المواطنين الواقعين ضمن مناطق نفوذهم.

وكان إتساع المصالح الخاصة لشيوخ القبائل لتشمل وظائف قيادية في الدولة المركزية وموارد سيادية كالنفظ  مع محدودية الوظائف والموارد قد اساء الى سمعتهم أمام قبائلهم خاصة وجموع المواطنين عامة وأصبح المواطن القبلي يشعر في علاقته بالمشايخ أنه داخل في الخسارة وخارج من الربح فالمشايخ يستخدمون قبائلهم في معاركهم ويضحون بهم على مذبح تعظيم أرباحهم.