عندما يتحدث المتقاتلين عن الدولة


أصيل القباطي - يجتهد اليوم إعلاميي وكتاب الطرفين المتقاتلين شمال اليمن في البحث عن معانِ للدولة، ويتغنون بـ" أين الدولة؟ "و"واجبات الدولة" خاصةً أولئك المحسوبين على التجمع اليمني للإصلاح والذين لم يتوقعوا أن يسير الوضع، بعد 2011 عموماً، لغير صالحهم . فما هي الدولة التي تبحثون عنها ؟ أو بالأحرى التي تستنجدون بها ؟.

"هي الدولة التي تقاتل الحوثي المتمرد" هكذا تكون الإجابة بادئ ذي بدء، أما بعد التفكير فتكون "هي الدولة التي تبسط نفوذها على المناطق التي يسيطر عليها الحوثي", هذه الإجابة لا تختلف جوهرياً بإختلاف المستويات التنظيمية أو الثقافية التي ينتمي إليها المجيب, فحين يكون مثلاً صاحب مستوى تعليمي أكبر تكون إجابته "الدولة لا تكون دولة إلا عندما تفرض هيبتها على كل مناطق الجمهورية وأولها صعدة وعليها أن تسحب سلاح المليشيات وأولها مليشيات الحوثي" هذه الإجابة فيها نوع من الرطانة كتلك التي يتمتع بها خالد الأنسي من خلال هذا نرى أن مفهوم الدولة بالنسبة لنسبة كبيرة من اعضاء حزب الإصلاح يقتصر على "أن الدولة هي التي تقاتل الحوثيين" و أحياناً يُضاف "الحراك المسلح" و نادراً ما يُذكر "عفاش".

مفهوم الدولة القاصر هذا لا يقتصر على حزب الإصلاح, بل يمتد إلى الطرف الأخر في الحرب والذي يعتبر أن الدولة لا حق لها في سحب السلاح الثقيل من الحوثيين بإعتبارها لم تنزع سلاح "مليشيات الأخوان" و"التكفيريين" والحق أن الحوثيين قد إعتبروا الدولة منذ 2004 عدواً بعد أن خاضت حرباً بلا مبرر مقنع ضدهم وقد كانوا أكثر الأطراف إستفادةَ من ثورة 2011 بتلك المساحة الجديدة التي إكتسبوها بعد إن كانوا منعزلين في جبال صعدة, لكن عليهم الأن أن يعترفوا بإن هنالك ملامح جديدة للدولة تُشكل بفعل الحوار الوطني والذي شارك الحوثيون به ومخرجاته التي حملت الكثير من الخلاف إلا أنها يجب أن تحترم على الأقل لإنها مخرجات حوار شاركت به الجماعة.

مبررات الطرفين للقتال تفيد بإنهم يحاولان أن يتبنيا عمل الدولة فأسباب القتال الأخير الذي إندلع في همدان شمال غرب صنعاء تبين ذلك, فالإصلاح يقول أنه يقف ضد التمدد الحوثي وتوسعه إلى صنعاء, بينما يقول الحوثيون أنهم يقومون بتصفية الطريق من التقطعات القبلية التي قتلت إحداها مؤخراً ثلاثةَ من المنتسبين إليهم.

هكذا إذاً وبعيداً عن التنظيرات هي المبررات التي تُعلن عبر وسائل إعلام الطرفين وهذا يقتضي أن نعتبر الإصلاح والحوثيين دولتين داخل الدولة.

نعم .. دولتين داخل الدولة وكل كلامِ للطرفين عن الدولة لا يُستشف منه إلا أن هنالك خسائر ميدانية يتلقاها ذلك الطرف ويسعى لإن يجعل من الدولة مجرد حائط صد دفاعي يحميه من التقهقر وإلا فإن حسين الأحمر ظل يُقاتل ضد الحوثيين في مناطق عمران وكتاف تحت راية "الدفاع عن أهل السنة" هو وجماعات تابعة لحزب الإصلاح لأشهر طويلة لكنه لم يذكر الدولة ويستدعي حضورها إلا بعد أن سيطر الحوثيون على مناطق نفوذ أسرته وسيطرتهم على معقلهم الرئيسي في منطقة "الخمري".

لماذا لم يُطالب حسين الأحمر بفرض هيبة الدولة منذ بدء القتال؟ لإنه وببساطة كان يعتقد أن مجريات المعركة ستسير لصالحه حيث كان يزعم عبر قنوات كـ"وصال" أنه يقود الزحف إلى صعدة وإنه سيصل إلى صعدة عاجلاً لا أجلاً, لكنه بعد وصوله إلى مشارف صنعاء بعد ما لحقه من هزائم تذكر أن هنالك شعرة يمكن أن يستنجد بها من السقوط ويمكن أن تنقذه ألا وهي الدولة.

نعم, إن معنى الدولة يظل مشوه في ظل الصراع السياسي الذي يُخاض الأن بصبغة دينية مقيته، ذلك الإسلوب الذي يُستعمل الأن من كلا الطرفين بتوصيفات طائفية سيقودهما إلى حرق بعضهما البعض وإحراق الدولة ـ الهشة ـ التي لا يجيدون تذكرها إلا عندما يتقهقر نفوذهم, نعم هذا الصراع الذي ما إن ينطفئ في جبهة حتى يشتعل في جبهة أخرى قريبة من مركز الدولة في صنعاء وها هي قد تنطفئ في همدان قريباً وإذا ما إنفجرت مجدداً فإين ستشتعل الجبهة القادمة؟.

أريد ألا أكون متشائماً لكن في ظل الحشد والحشد المضاد لا شيء يدعو للتفائل.

من مصلحة الدولة تتمثل ألا تتدخل في الصراع الأن وألا تنجر وراء الشعارات الزائفة الباحثة عن دولة تعمل لصالح حامليها, علينا أن نتذكر أن هنالك بند سابع على الدولة أن تستفيد منه ما دامه قد فُرض علينا, فكلا الطرفين يمتلكان مصالح تمس نخاعهما السياسي والعسكري في الخارج.

بإمكان الدولة الأن أن تستعمل البند السابع لإيقاف تلك الحرب التي إن إستمرت في التوسع فإنها ستقضي على الدولة بذاتها بعد إن قضت على مفاهيم الدولة في تصور الكثيرين.