خلفيات الإنشقاق الخليجي وإرتداداته على الإقليم


أصيل القباطي - بالنظر إلى الخطاب الإعلامي لقناتي العربية والجزيرة بدايةَ مع الأحداث في البحرين مطلع 2011, ففي الحين الذي إعتبرت فيه قناة العربية الأحداث مؤامرةَ وأعمال فوضوية كانت قناة الجزيرة تغطي الحدث على إعتبار أنه ثورة وإن إقتحام ميدان اللؤلؤة وسط المنامة الشرارة التي ستشعلها وأتاحت الفرصة لمعارضين بحرينيين يصفون السعودية بالإحتلال بعد تدخل قوات درع الجزيرة في الأحداث سنكتشف أن الخلاف السعودي القطري لم يلد قبل فترة يسيرة من البيان الثلاثي.

بإمكاننا إعتبار قناة الجزيرة ممثلة للسياسة القطرية وبالمثل العربية ممثلة للسياسة السعودية, سنستشف من المواقف التي كانت تطرحهما القناتين فيما يلي الأزمة البحرينية أن هنالك توافقاً نوعاً ما خاصةَ بالوضع السوري على الأقل في توصيف الأحداث حتى حدث الإنشقاق الأبرز في أحداث 30 يونيو الأخيرة في مصر حين إصطفت العربية مع المحتجين ضد جماعة الإخوان وتخندقت الجزيرة في صف الإخوان.

لكن وبأي حال من الأحوال لا يمكننا الأخذ بالمواقف الإعلامية للجزيرة وللعربية بإعتبارها المعبر الأساسي على حقيقة السياسات الخارجية لقطر والسعودية فقد حدثت خلافات علنية في المواقف الخارجية بين الدولتين تخلل فترة التوافق الإعلامي بين القناتين, لعل من أبرزها الخلاف القطري السعودي في بنود المبادرة الخليجية لليمن, فكانت قطر عبر وزير خارجيتها أنداك حمد بن جاسم قد وضعت بند يقتضي تنحي الرئيس السابق علي صالح مباشرة لكن السعودية وقفت ضد هذا التوجه وعمدت إلى تعديل بنود المبادرة أكثر من مرة إلى أن وصلت إلى صيغتها الأخيرة بالألية التنفيذية.

ومرةَ أخرى بدت ملامح جديدة وأكثر عمقاً للصراع القطري السعودي حينما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن الأمير السعودي بندر بن سلطان آل سعود تصريحاتِ قال فيها إن دولة قطر ليست سوى 300 شخص وقناة تلفزيونية وهذا لا يشكل بلداً وبدت هذه التصريحات كبداية علنية للصراع السعودي القطري خصوصاً عند رد وزير الخارجية القطري خالد العطية في صفحته على تويتر إن مواطناً قطرياً يعادل شعبا وشعب قطر عن أمة بأكملها, هذا ما نلقنه لأبنائنا مع كامل الإحترام والتقدير للآخر.

هنا بلغت ذروة التنافس المحموم, فبعد أشهر من إنتقاد السعودية تعامل قطر إلى جانبها تركيا مع المجموعات المسلحة المعارضة في سوريا وتمييزها في الدعم العسكري لفصيل الإخوان المسلمين الأمر الذي نفته قطر وقالت أنها لا ترى فرقاً بين الفصائل التي تحمل السلاح في وجه نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

بالنظر إلى مستقبل الأزمة السعودية القطرية وهذا الخلاف الأفقي الذي يضرب ما يُسمى بمحور الإعتدال العربي سنجد أن إستمرارية الخلاف سينعكس على أغلب العواصم العربية بأشكال مختلفة فبالنسبة إلى الحكومة السورية سيكون جيداً لها أن ترى الصراع الخليجي يبدو على الجماعات المسلحة التي ستتقاتل من أجل إثبات مكانتها على الأرض, في الحين الذي سيكون فيه الجيش العربي السوري يستعيد المزيد من المناطق التي سيطرت عليها في وقت سابق تلك الجماعات, ستكون سوريا المستفيد الأكبر من هذا الصراع الذي تعزز بسبب فشل الجماعات المرتبطة بالدولتين في إسقاط النظام في سوريا ولعل الصمود السوري كان أكبر خيبات السعودية وقطر.

العزلة التي قد تفرض على قطر نتيجة هذا الصراع من قريناتها دول الخليج أولاً ستنعكس إيجاباً أيضاً على الوضع المصري الجديد، حيث ستكبح الجموح القطري نحو دعم الإخوان في مصر ما سيمثل فرصة للنظام الجديد في مصر ترميم ما أفسده الإخوان بعيداً عن المضايقات التي يمارسها الإخوان في الشارع.

في العراق يبدو أن الخلاف الخليجي سينعكس سلباً على المجموعات المسلحة في غرب العراق، حيث أن الإنشقاق الخليجي سيولد خلافاً عميقاً بين تلك التنظيمات المعارضة لحكومة المالكي، فالواضح أن الخلاف سيحدث بين تنظيم الإخوان المسلمين في العراق المدعوم قطرياً والعشائر العراقية المدعومة على ما يبدو من السعودية.

بالنسبة للوضع اليمني فإن الدولة ستكون في وضع حرج إذا ما إتسعت فجوة الخلاف ففي صف من ستقف في ظل تغلغل تنظيم الإخوان في الكثير من مفاصل الدولة وإداراتها وفي جانب أخر تعي الحكومة وقيادات الدولة إرتباط اليمن إقتصادياً بالسعودية والكويت في جانب الدعم المادي لليمن كالدعم في المشتقات النفطية أو في ضخ السيولة خصوصاً في الاونة الأخيرة حيث تحدثت التقارير عن صعوبة الوضع الإقتصادي المحلي وزيارة الرئيس السريعة إلى الكويت كانت لهذا الغرض.

من الأجدر باليمن إتخاذ الحياد موقفاً الفترة المقبل لكن أين ستضع اليمن نفسها حال توسع الصراع وإقتضى الأمر وجود إصطفاف محوري؟

على اليمنيين أن يحسبوا حساباً لما هو مقبل قد تكون أزمةَ إقتصادية أعتى من تلك التي مروا بها جراء الموقف الرسمي من حرب الخليج الثانية, فكيف سيكون الوضع إذا ما إشتدت أزمة الخليج الثالثة؟