مخاضات الـ27 من أبريل .. غرقت الوحدة بالدم


أصيل القباطي - الوحدة اليمنية الحلم الذي ناضل من أجله اليمنيون لعقود ما بعد الثورتين, لم ترق للبعض أو للكثيرين من إقطاعيين ورجعيين, رزح الشمال يئن من عسفهم إياه لعقود ولطالما ما أرادوا نقل تجربتهم التي أذاقوا الشمال مرها وويلها إلى الجنوب, الجنوب الذي أفزعتهم تقدميته والدولة التي كانت تسيره وأفزعهم تطلع اليمنيين شمالاً إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كأنموذج وشكل لهم هاجس الجبهة واليساريين عموماً, أرقاً يطارد ملكوتهم البائس ويقض أحلامهم الدنيئة واستعملوا لصد ذلك المد التقدمي الذي شكلت عدن مركز إشعاعه أبشع أنواع التنكيل والإرهاب.. نعم الإرهاب, الأسلوب الذي أستعملوه فيما بعد ضد الجنوب.

بالتوازي مع سعي جماهير الشعب الكادحة إلى تحقيق وحدتها كانت مراكز القوى في صنعاء تخطط للغدر بذلك الطموح والأمل بان تطعنه من الخلف وتقسم ما يمكن الإستفادة منه فيما بينها ودسه في جيوبها وتدفن الباقي فيما بعد, لقد رأت مراكز القوى تلك في الوحدة الهدف المشترك لثورتي سبتمبر وأكتوبر سبيلاً للسطو على المزيد ويوصلها لمشبع نزواتها الأثمة.

كان لها ما أرادت بعد أن تحققت الوحدة في الـ90 حين خرجت الجماهير مبتهجة بهذا المنجز, كانت خطط المؤامرات تستقبل اللمسات الأخيرة في الغرف المغلقة والمفتوحة أيضاً للنيل من شريك الوحدة والانقضاض على البقعة الجغرافية التي أتى منها "الجنوب", لقد توالت الأحداث, بدأ الأمر بسلسلة من الإغتيالات بحق عدد من قادة وكوادر الحزب الإشتراكي اليمني لم تكن الإغتيالات سوى باكورة للحرب البشعة التي لم تعرف خلالها جحافل مراكز القوى القبلية والدينية لا شرعاً ولا ضميراً إلا وانتهكته.

في كتاب "الإستقلال والوحدة" وضع "العرشاني" نتائج إستبيان قدمه لعدد من الشخصيات الإعتبارية شمالاً وجنوباً تضمن الإستبيان عدة اسئلة حول مستقبل الوحدة وفترة ما قبل الوحدة والوحدة بحد ذاتها, كان ذلك قبل عام تقريباً من توقيع إتفاقية الوحدة, عند التعمق في قراءة أراء بعض رواد الجناح القبلي والديني حول الوحدة تتكشف النوايا الخبيثة التي أضمرها أولئك ومن ورائهم والتي كانت في مجملها تصب مصب إعتبار ما يسميه أحدهم بوقاحة "جنوب الوطن المضطهد" ليس مهيئاً للدخول في وحدة حقيقية ويجب في البدء تهيئته.

مثلت حرب 94 الضربة التي نالت من بصيص الأمل الذي ظل شاخصاً حول بركة دمِ تتسع لتدركه فيما بعد في أيجاد حل للأزمة عبر الإلتزام بوثيقة العهد والإتفاق, لقد وجد التحالف الثلاثي "القبلي - الديني - الانتقاميون الجنوبيون" الحرب ما سيفرغ فيه غليل حقده وأفرغه فعلاً دون مراعاة خط أحمر, الحرب الذي سيجني منها هذا الحلف غنائم شتى ويتفيد ما أراده, لقد دخل الحرب بذهنية إما المنتصر أو المهزوم, لا مجال لحل وسط وهكذا عبر.

الـ27 من أبريل من 94 كان اليوم الذي أُعلن فبه بدء الحرب, هكذا وضعوا في فهرس الذاكرة وهكذا رسخ هذا اليوم مقروناً بذكرى بدء الحرب, لكن الحقيقة أن الحرب كانت قد ابتدأت قبل هذا التاريخ بكثير, لقد بدأت منذ أن كانوا يضعون الحزب الإشتراكي كحاكم للجنوب ومن ورائه المؤمنون بفكرته وكل ابناء الجنوب في خانة الكفار وظلوا ينتظرون الفرصة عندما تسنح للإنقضاض عليهم, لم تكن حرب 94 إلا معركةَ في إطار صراع بين القوى المدنية والقوى الظلامية هو مستمر الى اليوم.

"لقد عمدت الوحدة بالدم", ما زال بعض المرجفين يرددها دونما خجل وأي دم ذلك الذي يعمد شيئاً هو معنوي بالأساس, هل بإمكان مادة سائلة كالدم أن تحوي روحاً, لقد أستبدلوا الجسد الشعبي المتين الذي أوى روح الوحدة ببركة من الدم غرقت بها الوحدة ورموا بذلك الجسد الذي أخافهم بعيداًَ, إنهم إلى الأن ينهبون ويأكلون ويشربون ويلبسون بلا خجل بإسم الوحدة, هم وحدهم من جنى من الوحدة ثروات وعقارات وشركات بينما يتضور الشعب جوعا, أسدلوا عليهم ستار الوحدة وبدأوا في تقاسم الوطن.

المحك هنا كيف نعيد ذلك رفات ذلك الجسد, لقد طمره الإمعان في الإقصاء والتهميش إلى أن كادت متواليات الاحداث أن تدفن أيضاً الأمل بالعثور عليه, لقد تشظى ذلك الجسد بعودة النزعات الأكثر ضيقاً يبدو كل شيء قاتم, هنالك من يطالب بدويلة مستقلة على حدود ما قبل الإستقلال 67 ومن يطالب بسلطنة ومن يترحم على الإستعمار البريطاني ومن لا تمر عليه كلمة دون أن يصبغها صبغة عنصرية فجة, تلك الأصوات تتناسل والزيجات يخصبها أعداء تاريخيون, هنالك حلول كثيرة بإمكانها أن تخرجنا من عنق الزجاجة إلى الرحاب الطلق لا أن تدخلنا زجاجة أخرى أو تعيدنا إلى قعر ذات الزجاجة.