صناعة الطغيان السياسي


بسام الشجاع - سنوات من التيه والتخبط في متاهات الجهل تتكبد الأمة من خلالها خسائر فادحة وباهظة الثمن منذ أن ضيعة الخلافة الإسلامية في عام في عام 1924م بسقوط السلطان العثماني وفي مسيرة البحث عن إعادة العزة والكرامة الى مراتعها الأولى تتحسس الأمة أفرادها وتنتقل من جماعة الى جماعة ومن طائفة الى طائفة علها تجد مبتغاها فلا تجد إلا جماعة متماسكة ومعها شيئ من القوة لكن مراكبها غارقة في أوحال الباطل ولم يعد يجمعهم إلا الضلال وضياع المنهج الحق أو تجد جماعة ذات منهج سليم وصافي غير أنها صارت عرضة للفرقة وكل يوم يزداد فيها التشظي والإنشطار.

وفي الوقت الذي نستمع فيه الى أنفاس الأمة المتعبة في مسيرتها البحثية يبرز لنا الطغيان في أبهى صوره وفي عنفوان شبابه ليزيد الأمة ضعفاً وهناً فوق ضعفها ووهنها فهو لا يكتفي بتأخيرها فقط بل يعمل بكل ما أوتي من وسائل الشر لتغيير مسارها والميل بها عن جادت الصواب.

والطغيان خصوصاً السياسي نستطع القول عنه بكل بساطة أنه نتيجة لا سبب, فبعد أن غيرت الشعوب مسارها وأغفلت جانب الحسبة السياسية قولاً وعملاً وصار سعيها حثيثاً نحو سد جوعتها وباي وسيلة كانت وتثاقلت عن طلب العدل وإنتزاع حقها وتنكبت طرائق العزة والمجد, عندها أنفرط عقد السيادة من بين يديها وأستعوضت عنها بالوصاية فجاءهم الرجل الضعيف والغريب مثقلاً بالغفلة والجهل يطمع بالجلوس معهم برهة من الزمن فاذا أستقر بينهم سرعان ما يعجبون بلكنته ويجذبهم إليه تندره ببعض العادات فلم يكتفوا بمنحه البقاء معهم حتى سودوه على أنفسهم واجزلوا له العطاء ولايزالون يتزلفون إليه ويقدمون القيم والمبادئ قرابين لحمقه ومكنوه أيضا من الإستخفاف بهم ورغم عتوه ونفوره فقد هيئوا له مناخ الإستبداد بعد أن سلموه وسام الكبر والغرور وبتكاتف الجميع تم الإنتهاء من صناعة عرش للطغيان  وبعد الإنحطاط والنزول في مدارك السمع والطاعة لكل ما يقول.

وجد الغريب نفسه مضطراً للجلوس على العرش والولوج الى بوابة الطغيان وما بدأ بمزاولة العمل حتى التف الجنود حوله وقاموا عين يمينه وشماله وهم مدججون بالأسلحة يحمون حوزته ويرفعون ردائه من خلفه خوفاً عليه من البلل مما جعله مضطراً مرة أخرى أن يصدر الأحكام الجائرة عليهم ويكلف بالمهمات القاسية وإذا ما أراد أن يبتلى ولائهم والطاعة أمر بعضهم بالتعدي على بعض فاذا قاموا بذلك وتبين له أنهم قد قطعوا أواصر الصلة والمحبة لدى الأقربيين منهم فتح شهيته للتوسع والتمدد والسيطرة أكثر.

ولابد للطاغية أن يكون خطيباً مفوهاً وحصيفاً في إختيار الكلمات المؤثرة التي لايكاد ينطق بها إلا وقد إلتهبت أيدي الجماهير له بالتصفيق الحار ورفعوا أمامه شارات الإعجاب, أما في زيارته وفي المناسبات لابد أن يهيئ من يعتني بالحشد وجمع الناس حتى يظهر في عنفوان خيلائه وما أن يصل الناس الى مرحلة وضع القيود في أيديهم والأغلال في أعناقهم إلا وقد إستكمل الغريب جميع الصفات اللازم توفرها للطغيان.

ومع أن نفس الحرية المتجذر بالفطرة في قلوب الناس قد صار ضيقاً جداً الا أن هناك من لايزال يتنفس منه ويحاول التوسعة له ليوجد مجالاً له ولغيره وقبل أن يتسع هذا النفس الضيق يكون الطاغية قد بنا له سياجاً أخر لحمايته ليس من العبيد الذي في حضيرته بل من بلدان الطغيان العالمي ومن دول الكفر العظمى مقابل أن يغدق عليهم من ثروات وخيرات البلد الذي يحكمه ثم يستوردها منهم على شكل فتات يسلي بها عبيده.

وكلما حاول أحدٌ أن يتخلى عن الرق الذي أقحم فيه ويعود للحالة الطبيعية الأولى أستخدم في حقه كل أساليب القمع والقوة والعنف ويضل الطغيان هوهو في الدَّوافع والوسائل والتفكير والتطبيق، وإن اختلف الزمان والمكان والذوات، ويتحد ويتشابه مضموناُ وروحاً، مصداق ذلك قوله تعالى: (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ).

يقول الأفغاني رحمه الله: "فكلما قضى فرعون تقمص بآخر وكلما أنقرضت عائلة فرعونية أدعت إرثها عائلة وجاءت ولو من وراء البحار والتصقت بالنسب الفرعوني ولو بأقل مشابهة من خلق الغطرسة والتأله على النَّاس".

وبما أن الطغيان مجاوزة الحد في الإستكبار والعتو والتجبر والظُّلم والفساد في الأرض وفي إستخدام القوة وعدم مراعاة أسس العدل والحق ولا سيما من قبل السادة والحكام, إلا أنه لا يستقر ولا يدوم إلا إذا توفرت له الحاضنة الشعبية المتمثلة في قطاع العبيد وأصحاب الرق.

ولو أخذنا قصة فرعون نموذج لوجدنا بأن القرآن قد كشف اللثام عن تحالف دنس بين أطراف ثلاثة في الدولة الطَّاغية وهذه الأطراف هي الحاكم المتجبر في بلاد الله ويمثله "فرعون" والسياسي الوصولي الذي يسخر ذكاءه وخبرته في خدمة الطاغية وتثبيت حكمه وترويض شعبه للخضوع له ويمثله "هامان" والرأسمالي أو الإقطاعي المستفيد من حكم الطَّاغية فهو يؤيده ببذل بعض ماله ليكسب أموالاً أكثر من عرق الشعب ودمه ويمثله "قارون".

وفي الأخير ينبغي أن نعرف أنه لا طغيان من دون عبيد ومتى ما تحرر العبيد أنهدم عرش الطغيان.