مميزات فى الوطـن العـربي لن تجدها فى أي مكان فى العالم "1"


عماد أبوالفتوح - تعوّدت كلما قابلت أي أحد فى العالم الواقعي أو الإفتراضي أن يكون موضوع النقـاش - أي نقاش يصب في إتجاه واحد محدد غالباً:

أريد أن أهاجر لأي بلد فى العالم حتى لو كان "موزمبيـق" أو جزر الكاريبي, نحن نعيـش فى منطقة سوداء ملعونة والهجرة الشرعية أوغيـر الشرعية هي الحل الوحيد للخلاص.

هذا النقاش تقريباً يتكرر كل يوم ويبدو أنه لن يتغير أبداً حتى يُهاجر جميع العرب من أوطانهم أو يموتوا وهم يسعــون للهجـرة.

ولكن الســؤال: هل فعلاً بلادنا بهذا السوء؟, هل من المعقـول أن تتميـز كل دول العالم حتى الفقير والمُتراجع منها بمميزات ما ونحن لا نمتلك أي مميزات من أي نوع؟

بعد أيام من التأمل توصلت إلى حقيقة أن لدينا فعلاً كعرب مميـزات هائلة فى اوطاننا يستحيل أن تـدها فى أي وطن آخر.

أن الولايات المتحدة في فصل الشتاء تضربها موجة بـرد قارس أو قارص كلاهما لغوياً صحيح تجعل درجات الحرارة تنخفـض إلي حد مخيـف وتصل إلى عشـرات الدرجات تحت الصفـر وهي درجة حرارة تجعلك تصاب ( بقضمــة البــرد ) واستئصــال الجزء الظاهر منك حتى لو كان أنفـك بعد تعرضك للبرد خلال عشــر دقائق.

فى بلادنا أسوأ درجات الحرارة بها لا تقل عن الصفر مهما كانت موجات البرد والصقيع إلا انها تظل مجرد نوبات لطيفة تتردد علينا من وقت لآخ فى الوقت الذي ينتفض فيه العالم كله برداً.

لماذا لا يستفيد العرب بشمسهم الدافئة المُطلة على بلادهم فى كل فصول السنة بعمل أي مشـروعات عملاقة للطاقة الشمسية؟ الإجابة ببساطة هي اننا لا نستفيد بأي شئ على الإطلاق أصلاً سواءاً فى بلادنا أو فى بلاد غيــرنا.

الشمس فى بلادنا نعمـة لن تشعر بها إلا إذا ركبت الطائرة وذهبتَ بعيداً.

أكشـــن بلا حـــدود.

تخيل نفسك تعيش فى سويسـرا, جنيـف مثلاً تستيقظ صباحاً تتثاءب في إستمتاع, تفتح النافذة تجد كل شئ حولك أخضر أنيق ، نظيــف ، مرتب, تتناول طعام الافطار وتذهب إلى عملك ثم تذهب لتلعب بعض الرياضة ، أو تمارس رياضة المشى على ضفاف بُحيرة ساحرة أو نهر رائق نظيف تعود لتتناول عشاءك وتشرب كوباً من الحليـب ثم تذهب لتنام.

ما أتعس هذه الحياة, حياة كئيبة مملة غبية روتينية نمطية إلى أبعد مدى.

فى منطقتنا العربية التحــدي الحقيقــي الذي تعيشه كل يوم هو أن تغادر بيتك كقطعة كاملة وتعود إليه مرة أخرى كقطعة كاملة أيضاً.

التحدي الحقيقي أن تعــود إلى بيتك ككائن بشــري طبيعي وألا تتحول تحت أي ظرف إلى جثة محترقة أو شئ يُشبه العجيـن بسبب إنفجار قنبلة ما بجانبك أو اصطدام سيارة مفخخـة بمؤخرتك.

تقرياً لا يوجد عربي لم يسمع فى حياته طلقات الرصاص أسفــل منزله أو أستمر فى الركض المحموم لمدة نصف ساعة كاملة بعد أن عرف أن ثمة أحمق ما قام بإلقاء قنبلة قريبة منه وأنها على وشك الإنفجار, هذه أمور يعرفها كل العرب تقريباً ويعيشونها يومياً ولم تعـد حدث اليوم أو حديثه.

تخيّل مدى الاثارة والتشــويق والروعــة التى نعيشها كل يـوم فى بلادنا الطيبة المباركة مقارنة ببلاد الحمقى الذين لا يكفون عن أكل الزبادي لمكافحة ترهلات البطن ويعتبرون أن وفاة (كلب العائلة) هي مصيبة كبرى تستحق الحُزن لشهور طويلة. 

تناقضــات لن تجد لهــا مثيــل فى العالــم.

يتميز العرب عن غيرهم من العالمين بفساد مالي .. فساد إداري .. فســاد أخلاقي .. أعلى نسبة تحــرش بالنساء فى العالم تقريباً .. أعلى نسبة لمشـاهدة أفلام إباحية .. فساد نفسي .. تكفيـر .. عصبية .. صوت عالي .. إقصاء .. تخويـن .. إرهاب .. فتـن طائفيـة .. فتن إجتماعيـة .. كوارث إقتصادية كلها تتعلق بالفساد .. إلخ.

ولكن بمجـرد أن يرتفع الأذان مُعلناً الصلاة أو يدق جرس الكنيسة يتوقف الجميع فجأة وترتسم على الوجوه علامات الخشـوع والإحترام وينتظرون بمنتهى الصبر إنتهاء النداء الإيماني وربما يذهب معظمهم لأداء الصلاة.

الحيــاة في المـاضــي السحيـق.

قابل المصري فيخبرك بإبتامة مُشرقة: مصر أم الدنيا .. تقابل السـوري فيخبرك بإبتسامة واسعة : سوريــا الله حاميها .. تجلس مع العراقي فيخبـرك بإبتسامة ودود : العراق مهد الحضارات .. تخاطب المغـربي فيعلن لك بإبتسامة دافئة : المغـرب مُلتقى حضارات العالم وهكذا مع كل الجنسيات العربية.

تقول لهم جميعاً أن هذا كله ماضي صنعه أجداد عظماء أنتهــى وذهب بغير رجعة ولن يعـود طالما ظلّ الأحفاد بهذه العقليـات فتكون الإجابة: نحن مهد الحضارات رغم أنفك شئتَ ام أبيت.

لن تجد في العالم كله أناس يكتفـون بترديد هذه الشعارات التى أكل عليها الدهـر وشرب سوى فى هذه البلاد الرحبة الدافئة, نحن من نسل أعظم من كان يحكمون الدنيا منذ آلاف السنين وكفى وسنبقى كذلك حتى لو كنا الآن فقــراء جهلة معدمين متعصبيـن أُمييّن طائفيين معدومي التأثيـر والإنسانية.

لدينــا كل شئ .. ولا نفعــل شيئــاً.

أذكر لى أمة فى تاريخ البشرية بها كل الموارد الطبيعية والبشـرية والصناعية والزراعية والفكرية والتاريخية والحضارية والجغرافية والإجتماعية والطائفية ثم تصمم على أن تكون أمة عاطلة باطلة بإصرار يدعو إلى الإعجاب.

لا يوجد سوانــا على ما أعتقد.

سؤال : هل الموارد الطبيعية والبشرية فى الوطن العربي ككل - أكبـر أم أقل من بلد مثل بريطانيا مثلاً؟ .. اسبانيا؟ .. ألمانيا؟ .. هل سمعت فى حياتك أن ألمانيا بها موارد طبيعية أكثر من أي دولة عربية ؟!

نحن لدينا كل شئ ولكننا لا نفعل شيئاً على الإطلاق ولا نريد أن نفعـل وإذا فعلنا نقلّد الآخرين وعندما نريد أن نقلّد الآخرين فإننا نعتمد عليهم بالأساس.

أعتقد أن شعـوب الإسكيمو ذاتها لا تعيـش بهذا المُنطلق الإبداعي فى الحيــاة, أي شعب فى الدنيا لديه موارد طبيعية وبشرية من الطبيعي أن يفعل شيئاً ما ولكننا نتميز عن كل شعوب الأرض فى هذه النقطة.

لا نفعل أي شئ على الإطلاق ولا نريد أن يُعكر صفونا أي أحد.

سيــد القــوم (أفشلهم).

وهو من أجمل ماتتمتع به بلادنا على الإطلاق فى رأيي لا ينافسها فى ذلك أي منطقة أو بلد على هذا الكوكب.

الفشل هو الحل لجميع مشاكلك, الفاشل هو السيد الذي يحصل على أرقى التعيينات فى الوظائف الحكومية والخاصة, الفاشل فقط هو الذي يتم ترقيته استثناءياً مرة كل عام فى أي عمل ويتم مكافأته على فشله الذريع وإخلاصه الشديد فى إظهار الفشل فى عمله وتحويل المؤسسة التى يعمل فيها إلى حالة عارمة من الفشـل.

والناجح يُقتـل ويُصلَب فتأكل الطير من رأسـه.

والمُبـدع المُبتكر .. هذا أسوأ حالاً طبعاً .. كيف يجرؤ أن يكون مبدعاً ذكياً فى دول مترهلة يغزوها الشيب والبيروقراطية فى كل مفاصلها وادواتها؟, كيف يسمح لنفسه أصلاً أن يبتكر شيئاً جديداً أو يُبدع فى تخصص ما.

لذلك فالفاشل هو سعيد الحظ الذي يعيش في هذه البلاد ويعتلى أرفع المناصب والناجح سيشعر بالضيق قليلاً فى بداية مشواره ثم يُصاب هو الآخر بحالة الغباء والتبلّد والفشل المُزمن المُحيط به من كل جانب فيتحول تدريجياً إلى فاشل آخر.

ومن ثمّ تضئ له الحياة ويبدأ مشوار السعادة فى وطنه الذي سيصل من وراءه إلى تقلّد أرفع المناصب في يوم من الأيام.

الواقع أنه يوجد الكثير جداً من المميزات الأخرى فى بلادنا العربية تجعل الحياة هاهنا مُنتهى الإثارة والتشويق.

اتّهم الحياة في البلاد العربية بأي شئ ولكن يستحيل أن يكون (الشعــور بالمــلل) هو إحدى الأمور التى تجعلك تريد أن تهاجر للخارج لأن المُتابع لأحداث المنطقة العربية من الخارج أصلاً يستحيل أن يشعر بالملل ويشعـر بأنه يشاهد فيلم أكشن طبيعي متصل ومستمر ولا يتوقف.

فما بالك بالذين يعيشون داخل هذا الفيـلم طوال أعمارهم ؟!