مميزات فى الوطـن العـربي لن تجدها فى أي مكان فى العالم "2"


عماد أبوالفتوح - قلت من قبل ومازلت أكرر أن المنطقة العربية تتميز بمميزات عديدة أهمها على الإطلاق أنه من المُستحيل تقريباً أن تُصاب بالملل طالما تعيش فى إطارها الجغرافي أو أن يراودك ذلك الشعور المُزعج بأن الحياة تحوّلت إلى مستنقع راكد وأنه لا جديد تحت الشمس.

لا أحد يطيق الآخر.

الجميل في هذه المنطقة من العالم أنه لا أحد يطيق الآخر وهذا يجعلها منطقة مميزة مُختلفة عن كل مناطق العالم القديم والجديد.

طالما أنت شخص آخر مُختلف عني في الدين أو الفكر أو التعاطي مع الأمور العامة أو السياسة أو المذهـب أو فهم التراث أو التعاطي مع مفهوم الوطنية فانت حتماً إما كافر أو متآمر أو خائن للوطن أو عميل للعدو أو - وهذا أقل الإحتمالات شراً - حمار لا تفهم شيئاً.

المعادلة بسيطة للغاية بين كل الأطياف الناطقة بالعربية داخل الدولة الواحدة أو بين الدول وبعضها البعض :

من سيقتل الآخر أولاً؟ أي فريق سيتمكن من سحق الآخر أولاً؟ من سيثبت للآخر أنه لا يفهم شيئاً على الإطلاق وأنه دابة تسيـر على قدمين؟

المجتمع العربي ككل لديه ميول سادية لا شك فيها ولا يقبل فكرة الآخر مُطلقاً وهذا طبيعي للغاية إذا أردتَ رأيي .. المعادلة الشهيرة : الحرمان + الفشل + التفاوت الطبقي يؤدي الى بحر هائل الغل .. والغل يؤدي دائماً إلى السادية ورفـض الآخر تحت أي مُسمى وسحقه.

هذه ميزة مهمة طبعاً للحياة هنا لأنها تعطيك الفرصة لأن تنهال بالصفعات والركلات على أي أحد لا تطيقه لأي سبب وربما تنتزع قلبه كذلك بإعتبار أن المُجتمع فى الأساس يُشجع هذه التصرفات.

تخيل مدى الراحة النفسية التى تشعر بها فى هذه الحالة .. تطهير نفسي مُستمر بلا تأنيـب ضمير من أي نوع.

350 مليون خبير.

كل شخص فى الوطن العربي له تراثه الخاص وفقهه ورؤيته الخاصة للدنيا والدين ومنهجيته الخاصة للتعامل مع الآخر.

350 مليون نبي يُوحى إليه بأنه على الطريق الصحيح وبقيــة الإنسانية كلها على ضلال مُبين .. 350 مليون خبير فى كرة القدم .. 350 مليون مُحلل سياسي .. 350 مليون خبير إقتصادي .. 350 مليون مُحنّك متفهم لطبيعة المؤامرات التى تُحاك ضد المنطقة .. 350 مليون جهبذ يعرف كيف يُسيّـر الأمور ولا يحتاج إلى إستشارات من أي نوع فى مجال عمله.

350 مليون عربي لديهم قدرة مُدهشة على الحُكم على البشرية كلها خارج دائرة نصف قطرها يمثلها هو.

وبما أنه مُجتمع من الخبراء فكل فكـرة تطرأ على الرؤوس يتبعها منهجية عملية تنفيذية وبما أن نسبة الأمية - التعليمية والدينية والفكرية والثقافية في الوطن العربي عشرات الملايين فهذا يفسر لك تماماً كل المرح الذي يحيط بنا اليوم من تردي خدمات وتخلف عقلي وفساد أخلاقي وفساد إداري وتكفير وتنفير وقتل الآخر بدم بارد .. إلخ.

مصيبة كبرى أن تعيـش وسط مئات الملايين من الخبراء الجهابذة الذين يضيّقون عيونهم فى ذكاء طوال الوقت ويعتقدون أنهم أحاطوا بما لم يُحط به الآخرون خُبرا.

ألا لا يجهلنّ أحدٌ علينا فنجهلُ فوقَ جهلِ الجاهلينا.

في هذه المنطقة من العالم كلما رفعت عقيرتك بالراخ المحموم في كل إتجاه وأعليَت من قيم الدمار والجاهلية والإقصاء ضد الطوائف الأخرى المُختلفة عنك فى الدين أو الفكر السياسي أو الإجتماعي فانت حتماً بطل أسطوري يُذكر أسمك برهبة وإحترام ويُضرَب بك المثل فى الوطنية أو الفداء أو التديّن.

أما إذا قادك عقلك الأحمق لتفكر مجرد تفكير أن تُنادي بإعلاء قيم التعايش والتفاهم بين طوائف المجتمع دينياً وإجتماعياً وفكرياً وثقافياً وسياسياً فستجد فوراً مائة حذاء يتم دسّه فى فمك وألف مطرقة تهوي على رأسك ومليون صفعة على قفاك مع الإتهامات الجاهزة بأنك كافر زنديق لدينك أو خائن لوطنك أو متآمر أو ماسوني.

البلاد الوحيدة الذي يُعتبر فيه المُنادي لفكرة التعايش صوتاً نشازاً أو مُتآمر يجب أن يخرس فوراً .. تعايُش؟ أي هـراء وجنون هذا الذي تقوله؟ كيف تجرؤ أن تُنادي بالتعايش بين الأديان والثقافات والتيارات السياسية والفكرية والإنسانية؟!

إستحضار التاريخ الأسود فقط.

ثمة مقولة يرددها الجميع وهم يهزون رؤوسهم فى تأثر: التاريخ يعيد نفسه وهذا صحيح جداً في عالمنا العربي تحديداً.

عالمنا العربي حافل بتاريخ مُشرق مُشرف من العلم والدين والسياسة والفِكر والنهضة المُذهلة التى تعتبر الأساس للنهضة الأوروبية والعالمية فيما بعد, هذا التاريخ المُشرق يأبى أن يتكرر للأسف.

أما الجانب السيئ والمُظلم من التاريخ العربي فله صفة خاصة, أنه يعيد نفسه على شكل مرّتين مُختلفتين:

المرة الأولى تكون دائما "تراجيديك" مليئة بالبُكائيات والظلام والدراما والمرة الثانية تكون "كوميك" مليئة بالكوميديا نفس الأحداث تقريباً ولكنها عبثية مُضحكة رغم سوداويتها وكآبتها.

أتحداك أن تجد هذه الحالة في أي مكان آخر .. هي فقط حالة عربية بإمتياز بلا مُنافسة.

حقـائق ووقائع مُدهشة لا تعرفها عن التاريخ العربي.

خذ كمثال :

منطقة تستحضر صراعاً طائفياً مريراً يعتبر إمتداداً لأحداث وقعت منذ 1400 سنة تقريباً على نفـس الأرض بالضبط (العراق والشام) بنفـس الطائفتين المُتحاربتين تخرج بينهما طائفة ثالثة تحاربهما معاً.

نفس سياق التاريخ والأحداث بالضبط بشكل مُتطابق تماماً بعد مرور 14 قرناً .. تلك أمة قد خلت لها ماكسبـت وعليها ما اكتسبت كان لها ظروفها السياسية البحتة ومع ذلك يُعاد تكرار نفس الأحداث حرفياً الآن - في القرن الحادي والعشـرين ولكن بطريقة أكثر كوميدية فقط, الأدوات أختلفت وتم إستبدال الخيـول والمجانيق بالطائرات التى ترمى البراميل المتفجرة والدبابات روسية الصُنع.

متاهات مأساوية داخل العقل الجَمْعي العربي.

خذ مثال آخر في مصر .. بلد ظلّ يُحكم منذ تأسيسه من آلاف السنين بنوعيـن من الحُكام : العسكري والكهنوتي الديني - صراع سياسي دائم يعـرفه كل دارس للتاريخ وتسابق محموم على السُلطة فى مصر بين العجلة الحربية وكهنة المعبد للظفـر بلقـب الفرعون.

هل تغيّر الحال الآن؟ هل يمكنك أن تسمى الحالة السياسية فى مصر بمسمى مختلف عما كانت تشهده من 3000 عام؟ نفس العقليـة بنفس الأحداث بنفـس المعايير .. فقـط أختفت الملابس الفرعونية واللغة الهيـروغليفية وحلّ محلها ملابس عصرية ولغة عربية.

لا تحاول, لن تجدها فى أي مكان آخر صدقني, شيء يدعو للذهول بالمعنى الحرفي إذا تأملته من زاوية أكبر شمولية وإتساعاً, العالم كله تجاوزنا بسنوات ضوئية وقامت دول وأنهارت دول وتغيـرت ديموغرافيات العالم كله ونحن مازلنا مُنحشـرين فى التاريخ.

منشغلين بإصرار يدعو للإعجاب لإعادة عجلة التاريخ للخلف وتمثيل أحداثه المؤلمة فقـط ببراعة مُدهشة والأمثلة كثيرة جداً على ذلك لا تحتاج لمتخصص فى علم التاريخ.

أعتقد أن هذا هو السبب الأساسي الذي يجعل العالم كله يتابعنا نحن تحديداً بإنبهار وعن كثَـب, نحن نقدم مسرحية من الأدب الواقعي حول طريقة الحياة فى القرون الوسطى وعصور ما قبل إختراع الآلة البخارية بدون تمثيل أو إصطناع.

قانون النسبيــة. 

في كل مكان فى العالم وفي كل الثقافات والشرائع والفلسفات يتم التعامل مع مواقف ومفاهيم بعينها بشكـل ثابت, الظلم مثلاً مفهـوم ثابـت لا يخضع للنسبية .. من يُظلَم المفـترض أن يؤخذ بحقه بغض النظر عن خلفيته وثقافته ودينه وعرقه وجنسيته.

الظلم في هذه المنطقة تحوّل لمفهوم نسبي ما هو ظلم بالنسبة لك أصبح عدلاً عند الآخرين لمجرد الإختلاف فقـط فيما بينكما والكراهية المُتبادلة.

هنا الوضع مُختلف تماماً كما تعلم, تجد أحدهم مصلوباً تاكلُ الطير من رأسه فتسأل من هذا؟ فتأتيك الإجابة : هذا فلان وجدوه ميتاً بهذا الوضع لكنه من أنصار (جهة ما أو فكر ما) مخالف لك فيكون تعليقك : كلب وراح.

تحدث مذبحة بحق فصيل مُخالف لتوجهاتك السياسية فتنسى أنها مذبحة ظالمة وتركّز على أن المذبوح كان خصماً لك ولا تطيقه, يُقتـل ضابط شرطة لا بأس فأنت مُعارض للنظام ولا يهمك كثيراً أن يعيـش ضابط شُرطة.

لا يوجد قيَم مُطلقة هنا كلها قيَم نسبية وفقَ الأهواء الشخصية, إذا حل الظلم بـك أو طائفتـك تملأ الدنيا صراخاً أما إذا حل نفـس الظلـم بالطائفـة المُعادية لك تملأ الدنيا حبوراً وسعادة.

أفيــال في كل الغـــرف.

تعبير "الفيل فى الغرفة" Elephant in the room هو تعبيـر إنجليزي يعني وجود حقيقــة / مشكلــة واضحة تماماً أمام الجميع ويتم تجاهلها وعدم مُعالجته كأن ترى أمامك فيلاً كبيراً فى غرفتك وتصمم على تجاهله تماماً كأنه لا وجود له.

عالمنا العربي يعج بالأفيال البدينة التى تمرح في كافة الغُـرف ومع ذلك نصمم على تجاهلها كأنها غيـر موجودة إطلاقاً.

كل كتـب التراث والمرجعيات الدينية بإختلاف المذاهب والأديان تضم قدراً هائلاً من الإستطرادات العنيفة غير الصحيحة التى لا تمت للأديان والمعتقدات الصحيحة بصلة والتى كان يتم الأخذ بها فى القـرون الوسطى لأغراض سياسية بحتة مازالت حتى الآن موجودة في الكُتـب وغير مُنقّحة ومازال الملايين يتعلمونها بحماس.

وفقاً لتقرير الجزيرة تقارب الأمّية فى العالم العـربي عدم القدرة على القراءة والكتابة حوالي 100 مليون شخص, 100 مليون شخص لا يقرأ ولا يكتب من أصل تعداد سكاني يقدر بحوالي 335 مليون إنسان أي اننا نعيش في منطقة 30% منها تقريباً أمّييـن في القرن الحادي والعشرين, في قـرن أبحاث الخلايا الجذعية وغـزو الفضاء والتقنية الفائقة.

لاحظ أن الأمية في النقطة السابقة المقصود بها عدم القدرة على القراءة والكتابة, تخيّل نسبة الأمية الثقافية كذلك؟ العـربي الذي يعيش حياته كلها لا يقـرأ حرفاً أو يصمم ألا يقـرأ سوى الصحف.

أفيال تتقافز حولنا فى كل مكان في الوقت الذي لا أحد يفعـل أي شيء على الإطلاق يبقى كل شيء كما هو عليه وليس فى الإمكان أفضل ما كان ولا نملك المزاج الرائق لحل كل هذه المشاكل.

فقط إشارات واضحة أو رمزية بين وقت لآخر بأن تضع أقرب حذاء فى فمك وتخرس أو أن تستقل طائرة وترحل بدلاً من أن تصدع رؤوسنا طوال الوقـت بالقلـق من إحتمال ان تسقـط هذه الأفيال على رؤوسنا جميعاً قريباً.

على أية حال نصيحتي لك أن تستمتع, حاول أن تستمتع بكل هذه المزايا وتعتبـر نفسك تعيش في لعبة فيديو مليئة بالإثارة والمغامرة طوال الوقـت حتى إذا لم تكن قد أخترتَ أن تلعبها.