التفرقة والتشرذم بين البلدان العربية .. واقع أليم يحتاج التغيير


محمد صباغ - أراجيك - جولة بسيطة على صفحات فيسبوك العربية ستكفيك لمعرفة ما أقصده, لا تجد موضوعاً إقليمياً أو سياسياً متعلقاً بدولة معينة إلا ويقفز لك أحدهم ليشعل شرارة داعش والغبراء بمنطقة التعليقات عن الإنتماء وأن هذه الدولة العربية أحسن من هذه الدولة وأن جميع سكان تلك الدولة ليسوا مثل هذه وأن تلك الدولة المنهوبة المسلوبة المسحوقة الممحوقة المنطوحة كان أجدادها من أوائل المفكرين والمبدعين في عصورهم وأنهم أول من أخترع الشيبسي الطائر وصحن الفول والحمص وأن حضارتهم ترجع لـ4657 سنة ميلادية وأن الموت لأمريكا وإسرائيل متناسين أنهم كلهم في الهوا سوا.

فلا تكاد ترى خبراً على صحيفة عربية مشهورة متعلقة بدولة عربية معينة وإلا ويتبادل أهل تلك الدولة وجارتها السباب والشتائم وصواريخ الريبورت وقذائف البلوك من هنا وهناك.

كيف يتمكن الإنسان العربي من أن يحتوي كل هذه التناقضات في داخله فبينما يتم تربية هؤلاء الفتية على "دعوها فإنها منتنة" و "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام" تجد كل واحد قادم ليفخر بقطعة أرضه, صدقاً العقلية العربية تحتاج عملية تشريحية لمعرفة طرق التعايش مع تضادية الأشياء وتجاذبيتها بنفس الوقت, هذه العقلية هي العقلية الوحيدة التي يمكن أن تنجذب فيها الشحنة الموجبة للشحنة الموجبة بالواقع.

لا تكاد تحصل مباراة كرة قدم بين هذه الدولة وتلك وبدلاً من أن يتم ركل الكرة يتم ركل الرؤوس البشرية هنا وهناك بسبب أن الحكم كان ظالم وغير عادل وتتحول المشاهدة الممتعة إلى مجزرة مروّعة.

أصحابنا العرب يتناسون أيضاً أن المقبور "سايكس" وصاحبه "بيكو" يضحكان أشد الضحك بقبورهما الآن عندما يتفاخر هذا الأحمق وذاك المسكين بأنه من بسيطة الأرض التي قاما بتقسيمها بقلم رصاص ومحاية, الإتفاقيات الإستعمارية التي جاءت لتقسيم المنطقة العربية لأكون حيادياً لم تنجح بالواقع.

بل حققت نجاحاً مبهراً لدرجة أنها جعلت الناس تتفاخر فيما بينها بأنها من هذه الأرض الإستعمارية وتلك نجاح لا مثيل له, فبينما يهب العرب والمسلمون بكل قوتهم للدفاع عن أرضهم في حال حصول أي إعتداء أجنبي عليها من قريب أو بعيد كأنهم بنيان مرصوص وبينما يستعدون لإطلاق أول صاروخ مأهول إلى نيبتون ويستمتعون بكوب الشاي من نفس الماركة.

وبينما تنشط حركات البحث العلمي في العالم العربي ويصل صداها إلى أقصى أرجاء المعمورة وتكتب كبرى الصحف العالمية عن الإختراعات العربية مثل التبولة والكسكسي وبينما يبحث المهندسون لدينا مشروعاً جديداً لبناء سد على هذا النهر وذاك ويفكرون كيف سيصرفون مبلغ الـ5 مليار دولار ولايجدون مسرباً سوى إلى جيوبهم فإنهم يفتحون صدورهم ليحضنوا ما خلّفته الإتفاقيات الإستعمارية لهم من تشرذم وتفرقة.

وما نراه يومياً بخانة التعليقات على صفحاتنا الفيسبوكية المقرفة هي الأخرى بعدم تثبتها من مصادرها وتحولها لجرائد صفراء بهدف كسب الإعجابات والزوار, هذه الأمراض يا صاح أصبحت منتشرة بالآونة الأخيرة لدرجة أنني أضطررت لكتابة هذا المقال عنها كونها تحولت لظاهرة بعد أن تناولت جرعتي اليومية من الإسبرين.

أنا من هذه الدولة العربية هل تسمعون؟ أنا من هذه الدولة ولكن يا صاح هل تعتقد حقًاً أنني أهتم؟ أنت مخطئ للأسف فأنا لست كذلك ولن أكون في الواقع, أريد أن أضرب المزيد من الأمثلة ولكنني أعلم مسبقًاً أن الجميع سيتهمني بالتحامل على هذه الجنسيات التي لا أعترف بوجودها جميعاً أصلاً بما في ذلك جنسيتي.

من الذي جاء وقال لك أن هذه الدولة من تلك الحدود إلى هذه الحدود تدعى سوريا وأن تلك التي تقع في أقصى شمال المغرب العربي تدعى تونس وأن تلك التي تأخذ القسم الجنوب من النيل اسمها السودان؟ أنا وأنت؟ بالطبع لا إنه الإستعمار يا صاح كان وسيكون دوماً وسيبقى هكذا إلى يوم القيامة, إنها معركة الحق والباطل التي لن تنتهي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

كيف كان وضع المنطقة العربية من قبل؟ ألم يكن هناك دول متفرقة مثل حالنا اليوم؟
لن أذهب بعيداً بعيداً ولكن بعيداً مرة واحدة عام 1170 ميلادي كان هناك 4 خلافات أو بالأحرى دول بالمنطقة العربية والإسلامية (في نفس الوقت الذي كانت القدس تقبع تحت الإحتلال الصليبي) وهي الدولة الأموية ومركزها الأندلس تبعها دول ملوك الطوائف الدولة العباسية ومركزها بغداد, الدولة الفاطمية ومركزها مصر, الدولة السلجوقية ومركزها أصفهان.

هذه الدول شهدت الكثير من العداوات بين بعضها البعض والكثير من الحروب والكثير من القتال والكثير من الفتن رغم أن أغلبية سكانها من المسلمين والعديد منهم عرب - واقع يشبه واقعنا اليوم صحيح؟  ولكن هذا كله لم يمنع شعوب تلك الدول من التعايش مع بعضها البعض والتواصل مع بعضها البعض وكأنها واحد.

أنا متأكد أنهم كانوا يلعبون مباريات فروسية من فترة لأخرى وبالتأكيد لم تكن مبارياتهم تجري مثل مباراياتنا على الأقل الحكام لم يكونوا ظالمين وكان الشخص منهم يذهب إلى أي دولة يريدها بلا جواز سفر وبلا تأشيرة وبلا فيزا.

وقبل أن تبدأ باتهامي بأنني كافر زنديق ومرتد عدو للّه والمسلمين أحاول دس أفكاري اللاوطنية واللاقومية لنشرها بين الناس, أخبرني بالله عليك هل أنت من أخترت أن تكون سورياً أو مصرياً أو جزائرياً أو مغربياً وغير ذلك أو بل حتى عربياً؟.

على ماذا الإعتزاز بأمر لم يكن لك يد فيه؟ أتفهم أن تفتخر بمشروع قمت بإنهاءه أو كتابٍ أنهيت كتابته أو 5 بيضات دجاج بلدي قمت بقليها بنجاح ولكن عقلي البسيط المتكون من 100 مليار عصبون لا يمكنه للأسف أن يجد عصبوناً واحداً يتفهم أن يفخر المرء بشيء لم يكن له يد فيه.

فلا حاجة لتبرز من تحت الركام من هنا وهناك لتقول لنا أنك من الدولة الفلانية وأنك أحسن من أشقائك وجيرانك فلأكون صريحاً معك وهذا الأمر ليس بيني وبينك بالطبع لا أهتم حقاً من أين أنت ولا أهتم بمعرفة كيف حصل ذلك.

نتحدث بجدية الآن مالذي تظنه أنه يجري الآن عزيزي القارئ بمنطقتك العربية؟ هل تظن أن الدول الغربية تقوم بكل ماتقوم به من أجلك؟ هاهو جنوب السودان أنفصل وهاهم اليمن وليبيا وسوريا والعراق يعانون من محاولات التقسيم, لا أريد الدخول كثيراً بالتفاصيل لكي لا يتحول المقال إلى مقال سياسي.

ولكن عليك أن تعلم أن المزيد من التقسيم يجري بالمنطقة, أنظر لوضعنا كعرب ووحدتنا قبل 15 سنة مثلاً وأنظر لوضعنا الآن؟ ألا ترى أننا صرنا فرقاً ودويلات أكثر من ذي قبل؟ ألا ترى أننا كجماعات وطوائف لم نعد قادرين على التعايش مع بعضنا البعض.

كل مايريده عبدالله الفقير كاتب هذا المقال إيصاله هو أن تتخلى عن نزعتك العرقية القومجية وتتجه إلى تقبل الآخر وإحتواءه وأنه لا حاجة لتكسير الرؤوس وضربها بالفخار للتعايش مع بعضنا البعض وأنه لا حاجة للمفاخرة في كل صفحة فيسبوكية بجنسيتك التي لم يكن لك دخل في إختيارها أصلًا.

وأننا بالأساس كنا أمة واحدة وليس 22 أمة وأننا جربنا لعشرات السنين البقاء متفرقين بهذه الدول الـ22 ولم ننجح, فلماذا لا نجرب الوحدة ولو ليوم واحد؟ الوحدة الكاملة قد يكون من الصعب تحقيقها بين هذه الدول العشرين لأسباب سياسية ولكن ما المانع من أن تكون هذه الشعوب متحدة بذاتها, نفس اللغة, نفس الدين, نفس الفكر, نفس الآلام, نفس المعاناة, نفس التمنيات والأحلام المشتركة الموجودة مع كل هؤلاء الـ400 مليون شخص.

هذا التعصب القومجي التفرقي ينتشر للأسف بشدة بالعقلية العربية ويزداد كل يوم مع إزدياد الأخبار والمؤثرات الخارجية, للأسف يا صاح لا أعلم مالحل إنما أنا أصف لك المشكلة التي لعلنا جميعاً نعاني منها على أمل الخلاص منها يوماً ما, من يعلم .. لعلنا نستفيق يوماً مما نحن فيه.