الآثار المستقبلية لتغير المناخ تتجلى الآن في اليمن


البنك الدولي - فؤاد الحرازي -  نقص المياه في اليمن يقدم لمحة عما قد يكون عليه شكل المستقبل بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تقرير جديد للبنك الدولي يكشف أن المنطقة ككل ستصبح أشد حرارة وأكثر جفافا إذا أستمرت الإتجاهات الحالية على وتيرتها, فقُصر مواسم الزراعة قد يهدد الأمن الغذائي كما أن التنافس على الموارد الطبيعية المتناقصة يمكن أن يشعل الصراعات.

بدأت المصادر الطبيعية العميقة للمياه الجوفية النظيفة في اليمن في النضوب, فخزاناتها المائية تنفد بوتيرة أسرع من معدل تجددها فيما تنحسر مياهها الجوفية بمقدار ستة أمتار سنوياً في المناطق الجبلية المزدحمة خارج مدن صنعاء وتعز وذمار وعمران وصعدة, حيث يقول اليمنيون إن ما يعادل إستخدام عشرة أجيال مستقبلية من المياه يتم إستهلاكها الآن. 

وما يشهده اليمن اليوم ليس سوى غيض من فيض بالنسبة لأجزاء أخرى من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع إجتماع تغير المناخ والنمو السكاني السريع ليزيدا من وطأة الضغوط على الموارد الأساسية لحياة البشر كالمياه وبالفعل فإن نصيب الفرد من موارد المياه المتجددة في اليمن الآن يبلغ 86 مترا مكعبا في العام وهذا ليس أقل معدل في المنطقة لكن اليمن باعتباره أحد أفقر بلدان المنطقة فإنه من بين أقلها قدرة على التكيف.

في صنعاء وتعز يحصل السكان على المياه من المواسير مرة واحدة في الأسبوع على الأكثر وإلا فإنهم يضطرون لشرائها بأسعار تعد باهظة بالنسبة للعامل العادي وبالنسبة للآخرين فإن جلب المياه يمثل تحدياً يومياً. 

يبدو أن عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي يبلغ 355 مليون نسمة سيتضاعف بحلول عام 2050 وعدد سكان اليمن يبلغ 24 مليون نسمة وهو ليس بالعدد الكبير بعد إلا أنه ينمو سريعا وقد أدى هذا النمو السكاني إلى جانب التوسع في زراعة القات (الذي تتسم أوراقه بتأثيرها المخدر الطفيف) إلى زيادة كبيرة في إستخدام المياه قدر عام 2010 بنحو 3.9 مليار متر مكعب مقابل إمدادات متجددة من المياه لا تتجاوز 2.5 مليار متر مكعب.

ويتم تعويض العجز البالغ 1.4 مليار متر مكعب من المياه بما تضخه الآبار الأنبوبية الحديثة أو الفتحات الجوفية العميقة مما يؤدي إلى إستنزاف مخزونات المياه الجوفية.

وفي المناطق الريفية حينما تجف الآبار تتفاقم التوترات الإجتماعية إلى صراعات محلية وتؤدي عمليات النزوح الجماعية الناجمة عن شحة المياه إلى الهجرة وإلى إذكاء مخاطر إندلاع صراعات أوسع نطاقاً وتزداد المخاطر الناجمة عن السيول المفاجئة في المدن كثيفة السكان خاصة بالنسبة لفقراء الحضر.

وقد أدت زراعة نبات القات إلى تعقيد مشاكل المياه في اليمن ويغطي القات 38% من مناطق اليمن المروية ويتم في بعض المناطق إقتلاع المحاصيل الغذائية وإستبدالها بالقات ومنذ عام 1970 زادت كميات المياه المستخدمة في الري بمقدار 15 مرة, بينما تقلصت الزراعة البعلية (التي تعتمد على المطر) بنحو 30% وبسبب نقص المياه فإن أكثر من نصف الإستثمارات التي تقام في المناطق الريفية باليمن لا تصمد أكثر من خمس سنوات.

وقد سعت الحكومة اليمنية جاهدة لوضع إطار حديث لإدارة المياه إلا أن مئات الآلاف من الأسر المحلية في اليمن تستخدم المياه بصورة مستقلة ولم تحظ النُهُج التنظيمية لإدارة المياه من القمة إلى القاعدة بقبول المجتمعي, أما إدارتها من القاعدة إلى القمة فقد حققت نجاحاً كبيراً في مع تشكيل جمعيات شعبية تطالب بخدمات أفضل وبحماية مصادر المياه من التلوث.

قد يتعرض اليمن بسبب موقعه الجغرافي (جنوب خط عرض 25 شمال خط الاستواء) للمزيد من الأمطار نتيجة إرتفاع حرارة الأرض, إلا أن زيادة هطول المطر قد يسبب أحوالا مناخية أكثر حدة مع إنطلاق عواصف شبيهة بالرياح الموسمية من خليج عدن.

وفي عام 2008 تسببت السيول في جنوب شرق اليمن اللسان الممتد من خليج عدن في دمار وخسائر قدرت بنحو 1.6 مليار دولار وهو ما يعادل 6% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.

وفي عالم ترتفع فيه الحرارة بأكثر من درجتين مئويتين فإن موجات الحر يمكن أن تضرب المناطق الساحلية المنخفضة باليمن وجيبوتي ومصر وتتسرب مياه البحر إلى مكامن المياه الجوفية العذبة بالمناطق الساحلية مما يرفع درجة ملوحة المياه والتربة.