المفارقة اليمنية .. فوضى اليمن سبيل قوته


تركي الجاسر - يصعب الحديث عن الشأن اليمني لإختلاف الوضع الإجتماعي والثقافي والسياسي عن كثير من الدول بشكل جذري وحتى لو نجح المتحدث عن الشأن اليمني في إيضاح الصورة فإن القارئ سيجد صعوبةً في فهمها لأن الطريقة التي تجري فيها الأمور في اليمن مختلفة جداً عن باقي الدول.

المؤسسات الوسيطة أقوى من الدولة.

والسبب ليس التخلف التقني والتنموي والخدماتي كما يبدو للبعض بل لأن اليمن لا يزال محكوما بالمؤسسات الوسيطة أكثر من أن يُحكم بالدولة المركزية كما هو الحال في كل دول العالم والمؤسسات الوسيطة المقصودة هي القبائل والعلماء والأعيان والتيارات الإجتماعية والفكرية والمذهبية التي تفرض نفسها على الدولة أكثر مما تفرض الدولة نفسها عليها.

وإذا وضع هذا الإعتبار في الحسبان يمكن فهم معظم أحداث اليمن منذ حكم الإمام "يحيى" وحتى الآن وكذلك التطورات الأخيرة التي دخل فيها عامل الحوثيين وأنصار الشريعة لا يمكن فهمها إلا باستحضار طبيعة اليمن ودور المؤسسات الوسيطة.

ضعفها الآن قوة للمستقبل كيف؟.

هذا الإختلاف عن الدولة الحديثة جعل دور اليمن إقليمياً وعالمياً محدوداً جداً في الماضي لكن هو ذاته سيجعل دورها كبيراً في المستقبل والسبب هو أن ضعف الدولة المركزية بقدر ما يتسبب في الضعف والفوضى في ظروف ما فهو أيضا يفتح المجال للقوى العقائدية والموجهة أن تستثمر الوضع وتكتسح بقوة تتفوق على سلطة الدولة المركزية.

ويخبرنا التاريخ أن مثل هذه القوى تجعل شعباً فقيراً معدوم المقدرات قوة هائلة تصنع التاريخ وتفتح الفتوحات ومن هنا تحولت قبائل متفرقة فوضوية ليس عندها أي مقومات للدولة في جزيرة العرب بعد البعثة النبوية إلى أمة فاتحة عظيمة والأمثلة على ذلك كثيرة جداً يصعب حصرها بل تكاد تكون سنة إجتماعية تتكرر كلما تهيأت الفرصة لإنطلاقة منظمة بإطار عقدي.

وما يجري في اليمن متمثلاً في القصف الأمريكي بمؤامرة دولية وما صاحبه من غزو ايراني على يد الحوثيين يدفع للإستشراف بتطور في هذا الإتجاه وبقدر ما تظن القوى الإقليمية والعالمية أنها بإبقاء اليمن ضعيفا مفككاً تحتوي المشكلة فهي في الحقيقة تجعل البيئة أكثر مناسبة لتحول القوى القبلية المفككة إلى قوة ضاربة إقليمياً وعالمياً.

المعركة بين الحوثيين وأنصار الشريعة فقط.

بعد دخول الحوثيين صنعاء في المرة الأولى أن تنحسر كل القوى وتصفو المواجهة بين قوتين فقط الحوثيين وأنصار الشريعة وتدل الأخبار القادمة من اليمن على أن ذلك هو ما يحصل وأن كثيراً من القوى إما أنضمت لأنصار الشريعة أو للحوثيين أو تحالفت مع أحدهما.

الحوثيون ورطوا أنفسهم بهذا الإنتشار السريع ولن يستطيعوا إستيعاب ما أستولوا عليه لأنهم حَملوا فوق قدرتهم وتحملهم وسيرتد عليهم توسعهم إرتدادا خطيراً ربما يؤدي لزوالهم ويرجع ذلك لكونهم قوة دخيلة على اليمن إجتماعياً وعقدياً وثقافياً والدور الإيراني فيها مكشوف ولذلك لن تستطيع إبتلاع اللقمة التي وضعتها في فمها.

وبما أن القوة الوحيدة التي تواجه الحوثيين هي أنصار الشريعة فمن الطبيعي أن تكون هي الكاسبة من إنحسارهم أو زوالهم وبذلك تتحقق المفارقة التي أشرنا إليها في تلك التغريدات أن سيطرة الحوثيين هي المفتاح لسيطرة أنصار الشريعة.

أنصار الشريعة وتكرار تجربة الدولة الإسلامية.

توسع أنصار الشريعة في اليمن لن يكون مختلفاً كثيراً عن توسع "الدولة الإسلامية" ذلك لأن مشروع أنصار الشريعة لا يحترم الحدود القطرية ولا يعترف بالقوانين الدولية ويتفوق أنصار الشريعة على الدولة الإسلامية بتحاشي كثير من الممارسات التي أستفاد منها خصوم الدولة في الحشد ضدها.

هذا الحذر والتروي عند أنصار الشريعة يعطيهم مجالاً أكبر للتوسع بدون المضاعفات التي صاحبت الدولة بسبب ترحيب الحاضنة الإجتماعية ودعمها وبسبب إنسجامهم مع معظم مكونات المجتمع اليمني من جهة أخرى فإن هذا الحذر والتروي يقفل الطريق أمام خصومهم في إفتعال الأعذار لتجييش الآخرين ضدهم دولاً وجماعات.