الصواريخ تنتحب


حسين الصوفي - هذه الليلة مخيفة بحق مخيفة ومرعبة والرعب والخوف هما الحاضران في "اليمن اليوم".

في العاصمة صنعاء أهتزت الأرض من تحتنا, هزّت فينا كل شيء, كل شعرة, كل لحظة كل فكرة أيضاً.

في العاصمة أنفجرت الصواريخ في مدافنها, ضجّت من الغيظ وساد الخوف, ساد الذعر وتحدثت الصواريخ بلغة الحرب ولسان الموت المفترض.

في الأثناء كان صديقي من عدن يطلب مني المسامحة قال لي أن قذيفة هاون سقطت بجوار منزلهم وكأنها تنبيه باقتراب لحظة الرحيل ذكرني أن أقتدي به وأطلب من زميل لي بأن يتواصل مع أحد أقربائي ليأخذ منه شيئاً لا يزال في ذمتي له, "لوحدث شيئ" قلتُ له هكذا.

كانت شظايا الصواريخ تتطاير والسماء تكتظ باللهب والفجيعة تتصاعد أعظم ونحن في العاصمة نعيش الدوي الذي أصم آذاننا أرسل الصديق العدني أدهم فهد يكتب لي: الدنيا حاااامي الوطيس.

كأن أدهم يريد أن يقول أن صنعاء التي تحترق فيها الصواريخ ليست أشد خطراً من عدن التي ينتشر فيها الموت في كل حي.

الليلة مخيفة بحق .. مخيفة ومرعبة..

حضرت في ذهني الأوجاع والذكريات والصمتُ حاضرٌ, الآن الهدوء يغطي الأماكن يغزو القلوب يلاحق الزوايا التي أنتشر فيها الخوف.

في ليلة مشابهة قبل نحو سبعة أشهر كان جندياً يرابط عند المدخل الشمالي للعاصمة صنعاء في الجهة المقابلة لمعسكر الصواريخ بين جبلين يشبهانهما غير أنه كان مكشوف الظهر مكشوف الرأس منكشف المكان.

كان وحيداً إلا من عطشه الساكن في فؤاده حينها دخلت ميليشا الحوثي بجحافلها من شارع الثلاثين ووادي ظهر وأطلقوا النار على الجندي الوحيد ومات عطشاً والماء في يمينه لم ينزف منه قطرة, حاول أن يحافظ على العاصمة كما حمى قنينة ماءه لكن الغزاة لم يحقنوا دمه, سكبوه بدم بارد. 

الماء لم يكن بارداً لكنه حان مصاناً في قنينته ودم الجندي سال شربت منه أرض العاصمة العطشى.

هل تبكي أمه الآن من دوي القصف وتصاعد ألسنة لهب الصواريخ؟!

ربما أن الصواريخ تبكي وجعاً متصاعداً على فجيعتها برحيل جنديها المغوار الذي مات وحيداًولم يكن يحفظ اسم مكان الصواريخ, كان وزير الدفاع حينها يتصل بأبو علي الحاكم ليسلمه مفاتيح بقية المعسكرات ومخازن أسلحة أخرى ويحتفلان بالإنتصار الشهير.

الليلة مرعبة بحق مرعبة ومخيفة والخوف يسكن العاصمة يسكنها في أحياء عدن وتعز والحديدة والضالع.

الصواريخ تنفجر في وجوهنا وتزلزل أرواحنا, تزلزل شبابيك ذكرياتنا تسقط فينا الوهم والخديعة.

الصواريخ تبكي حنقاً, غيظاً, فجيعة تتذكر أرواح الشهداء من الجنود الضحايا من الراحلين في ليالي الخيانات السوداء.

الصواريخ تزرع الخوف في قلوب الصغار, تقتحم عالمهم البريئ, تنشر الرعب في أرجائهم, تغسل لحظاتهم بالخوف والفجيعة.

الصواريخ تصرخ في حزن عميق تتطاير باتجاه قبر القشيبي تلقي عليه تحية الوداع تنتحب فوق ضريحه, تضج بالوجع وألم الفراق, تعتذر له عن الخيانات السوداء.

الليلة مرعبة بحق مرعبة بلا حدود.