أنا ووردة وريحانة وطن مزقته المصالح والأحقاد


بشرى العامري - كنا ثلاث صديقات وردة وريحانة وأنا, منذ كنا ثلاث طفلات صغيرات لم نفترق يوماً..

لا أذكر متى أصبحنا صديقات حتى يبدو اننا وعينا وأحسسنا بوجودنا في هذه الدنيا معاً فأمهاتنا ايضاً كنّ صديقات منذ أمد بعيد.

حبونا معاً ومشينا معاً ونطقنا معاً وتلعثمنا معاً وأكاد أجزم أن أول كلمة نطقت بها كل واحدة منّا هي أسميّ الآخرتين.

كبرنا وتنقلنا بين فصول الدراسة الطويلة معاً وكنا نجلس على مقعد ثلاثي واحد ذاكرنا سوياً, ضحكنا مرحنا لعبنا ضُربنا عوقبنا لذات الأسباب معاً.

كان جيبنا واحدٌ وطعامنا واحدٌ ونُصرُ دوماً أن نرتدي ذات الثياب ونحمل حقائب متشابهة ومن يرانا يعتقد اننا ثلاث اخوات لا يفترقن ابداً.

كبرنا أكثر والتحقنا بذات الكلية وتخرجنا وتزوجنا وانجبنا الأطفال ولم تفرقنا يوماً مقاعد الدراسة أو مشاغل الحياة أو خلافات الصغار.

لا يمر يوم دون أن نجتمع فيه وأن أستحال ذلك نتصل لنطمئن فيها على بعض وتمر ساعات وساعات ونحن نتحدث عبر معظم وسائل الإتصالات الممكنة من هاتف وفيس بوك مروراً بالشات وحتى الواتس لاحقاً.

وفي العام 2011 توحدت رؤانا واتفقنا أن نكون سبّاقات في النزول الى ساحات الإعتصام والسير معاً في مقدمة المسيرات الرافضة للفساد والظلم والجهل ونهب ثروات البلاد.

صرخنا معاً (الشعب يريد اسقاط النظام) رفعنا عاليا شعارات الثورة حملنا الطعام للخيام, داوينا معاً الجرحى, حملنا سوياً الزهور ووزعناها لأفراد الجيش الذين كانوا يحاصرون مسيراتنا مؤكدين لهم اننا لا نحمل معنا إلا السلام ونطالب بمستقبل أفضل لنا ولهم ولأجيالنا من بعدنا.

وفي جمعة الكرامة هرعنا ثلاثتنا لبذل كل ما نستطيع لتخفيف معاناة الجرحى ومواساة اهالي الشهداء وفي مجزرة بنك الدم كنا ثلاثتنا ايضاً هناك يومها تلاحمت أيادينا تحت وابل الرصاص واقسمنا ألا نترك بعضنا واننا سنعود ثلاثتنا معاً لأطفالنا واهلنا وأنه لن يصيبنا أي مكروه.

كنا نطمئن على بعض حال عودتنا كان لدينا ايمانٌ قوي بنجاح ثورتنا واننا سنكون غداً أكثر تلاحماً وتوافقاً وسيزهر حتماً مستقبل اولادنا الذي سيكون بالتأكيد أفضل من حاضرنا.

دارت الأحداث والأيام..

فجأة تغيرت وردة التي التحقت منذ مدة بجامعة الإيمان وأصبح حديثها معنا يحمل طابعاً اكثر حدة, تُكفر كثيراً من أفكارنا وتصرفاتنا, تتهمنا بتقليد الغرب واتباع رغباتهم.

ترى في نضالنا ضد قضايا مجتمعية كفر عظيم وخروج عن الملة.

وطالبت مراراً وتكراراً من ريحانة ان ترتدي النقاب وتخفي وجهها والا فإنها مخالفة للشرع وخارجة عنه مؤكدة انها ناصحة لها وتخاف عليها من عذاب الله لأنها فتنة, وناشدتني اكثر من مرة ان اترك عملي كناشطة حقوقية لأنها تقليد غربي بحت وان ارتدي جلبابا طويلا مثلها لان حجابي الذي ارتديه زينة والتحق بدور التحفيظ واصبح داعية مثلها اجدى لي ولأخرتي من التوعية بالحقوق والحريات الغربية حد قولها.

اختلفنا كثيراً معها لكنها كانت تنهي جدالنا الذي يحتد معها ونغلبها مراراً بحجتنا قائلة ( الله يهديكن بس الله يهديكن).

وفجأة ثانية تغيرت ريحانة هي الأخرى وصارت تتحدث عن فضل ال البيت واتباعهم الطاهرين وأحفادهم وأن بلاء الأمة الإسلامية راجع لأن من يحكمنا اليوم ليسوا من سلالة ال البيت فهم المعصومون عن الخطأ وهم الأحق والأجدر بقيادة البلاد والعباد وإخراجنا من الظلمات الى النور.

وبدأت تتهم أي شخص يخالفها بالدعشنة وتصمه بحليف القاعدة وأختلفتا وردةٌ وريحانة وكنت أحاول جاهدة الإصلاح بينهما وتذكيرهن بأيامنا الخوالي لكن دون جدوى.

احياناً كنّ يصمتن ازاء دموعي التي كانت تنهمر خوفاً وهلعاً مما أصابنا وخشية أن تكون النهاية بيننا ويتصالحن لكن لا يلبثن اياماً أو حتى لحظات حتى يدخلن في نقاش وخصام الد وأعتى.

وفي أحد الأيام هاجمت جماعة الحوثي المسلحة جامعة الإيمان وكان زوج ريحانة هناك فقد كان يعمل سائقا لإحدى الباصات التابعة للجامعة التي تنقل الطلاب من وإلى الجامعة ووصلنا خبر مقتله بإحدى القذائف التي سقطت في الجامعة.

هرعتُ اليها أواسيها وأصريت بعد الحاح طويل على ريحانة أن تأتي معي ففوجئنا بوردة توجه اللوم والتهمة على ريحانة ومن معها بقتل زوجها وانها لن تنسى ذلك الألم الذي الحقته بها صديقة عمرها لأن زوج ريحانة وأخوتها ايضا كانوا ضمن اللجان التي هاجمت جامعة الإيمان.

أخبرتني ريحانة ونحن عائدات انها ليست حزينة على مقتل زوج وردة فهو داعشي تكفيري وأنهم ليسوا طلبة علم وانما قتلة أستغربت منها هذا الحديث كيف ونحن تربينا وعشنا معاً ويجب أن يكون ظننا ببعض هكذا ذكرتها بيوم ولادتها بابنها وكيف تعسرت ولادتها وأحتاجت لإجراء عملية عاجلة ونقل دم لأنها نزفت كثيرأ وكانت فصيلة دمها نادرة ولم يستطع احد نقل دم لها إلا ريحانة قلت لها (كيف تقولين عنها هكذا ودمائها تجري في عروقك).

ضحكت باستهزاء وقالت (أنت مخدوعة فيها ولولا هذه الدماء المزعومة لما حضرت لمنزلها اليوم ولكنها أختارت العداء فانتهت بيننا تلك الصلات).

أنضوت وردة في منزلها وأبتعدت عن الجميع وقاطعت كل من يعرفها وظلت هائمة على ذكريات زوجها وذات يوم زارتني مودعة تخبرني بانها ستغادر قريباً إلى مكان ما تلملم فيه جراحها بعيداً عن الوطن وأن جماعة الحوثي لم تتركها لحالها وأن مضايقاتهم مستمرة لها ولأولادها.

سألتها إن كانت ستودع ريحانة ايضا؟ فأخبرتني إنها لم تعد تمثل لها شيء سوى أنها مجوسية رافضيه من أذناب إيران وأنهم لايمتون للإسلام بصلة مهما أدعوا الإيمان وأنها عدوتها اللدود من الآن وصاعداً, ذكرتها كيف حمتها ريحانة من ضرب جنود الفرقة الأولى لنا بأعقاب البنادق في احدى مسيرات ثورتنا التي وحدتنا جميعا, وكانت تغطيها بجسدها وتتلقى كل الضربات عوضاً عنها لخوفها الشديد عليها ان تسقط حملها حينها, فقالت متهكمة كل هذه الافعال تقية يتخذونها لننخدع بهم ولو فدتني حينها بحياتها لما صدقتها اليوم.

ناقشتها كثيراً وأخبرتها أن تخندق كل طرف تحت معتقداته وإتهامه للأخر بالزندقة والكفر والخروج عن الملة هو من سيؤدي بنا وببلادنا الى الهاوية وأن من توحدنا بالأمس ضده اليوم أستطاع زرع الفرقة بيننا وخدعنا وأوهمنا باننا أعداء لينتصر علينا وأن اعدائنا يتخذون دوما قاعدة فرق تسد ونحن مخدوعين نسير على الطريق الذي رسموه لنا بغباء وقلت لها (نحن نؤمن جميعا برب واحد ونبي واحد ونصلي ونصوم ونزكي وما بعد ذلك هي إختلافات فقهية تجمع ولا تفرق) فأخبرتني الا حوار ولا تفاهم معهم وأنهم آفة يجب إستئصالها من مجتمعنا وأبتسمت قائلة (نصرنا قريب ثقي بذلك) وأختفت بعدها.

في داخلي جرح عميق فقدتُ أحدى أعز صديقاتي شعرتُ بأني كمن فقد جزءٌ من قلبه وذاته..

عدتُ لريحانة فقالت دعيها تذهب بمثل هؤلاء ستهلك البلاد.

وماهي إلا أيام حتى سمعت خبر مقتل زوج ريحانة بتفجير إرهابي وهو يحضر حفلاً لجماعتهم في مدينة اب, ذهبت لمواساتها جازعة لما حلّ بصديقتيّ اللتين تأدلجتا بثياب الحزبية والطائفية تحاول كل منهما عبثاً فناء الأخرى وإقصائها من واجهة الحياة فلم ينالهن إلا الحزن والجزع وأصبحتا أرملتان وحيدتان..

قالت لي ريحانة وهي تنتحب (الدواعش الأوغاد الإصلاحيين القاعدة الوهابيين السنة قتلوا زوجي, كلهم قتلة ولن نهنأ حتى نقتلهم جميعاً) سألتها في هلع (أنا سنية فهل أنا قاتلة؟ ) قالت (بل انت غافلة ومضحوك عليك أنصحك بقراءة ملازم السيد عبدالملك رضوان الله عليه وسماع خطبه وأنسي أبن تيميه وغيره من الضالين وهو من سيهديك الى سواء السبيل وكوني عوناً لنا لا علينا في قتل أعداءنا كل من يخالفنا ولا يرضخ لأوامر السيد ولا يطيعه فهو وحده من يملك الحكمة والرأي السديد).

عدت أدراجي تائهة جازعة فقدت صديقتي الآخرى جزءٌ آخر من قلبي وذاتي وأصبحت ممزقة الى أشلاء مبعثرة جذع خاو بلا أي ملامح أو مستقبل وفقدت معهن أجمل أيامي وكل أحلامي وطموحاتي.

تنقلت كل واحدة منهن بين البيوت والتجمعات النسوية تخطب وترعد وتزبد محرضة ضد الطرف الآخر مستندة لآيات وأحاديث وروايات تدعم حجتها وتنسب تهماً وجرائم دون تحقق من صحتها أو مرتكبها.

ثم غادرت وردة البلاد وتنقلت ريحانة بين صعده وحجه ومحافظات عدة وبقيت هنا وحيدة أشعر بالضياع ..

معقول أن كل أحلامنا وطموحاتنا وما رسمناه من مستقبل لأولادنا سويا قد تلاشى فجأة هكذا .. تذكرت ضحكاتنا مرحنا بكائنا ازماتنا وقوفنا معاً في وقت الشدائد قسمنا ألا يفرق بيننا إلا الموت فقط , فما الذي اليوم أستطاع تفريقنا ؟؟؟

آه يا وردة وريحانة تركتما جرحين عميقين في قلبي وشرخاً في حياتي..

أنا وحيدة الآن في ظلام دامس في دوامة عبث لا تنتهي يقتلني الخوف والفزع من القادم الأسوء..

متى تخلعان عنكما عباءة الحزبية والطائفية وتعودان لرشدكما لنعود كالسابق معاً في كل شيء نكمل ما بدأناه ..

أسمع الآن صوت القصف قادم بقو ة من كل مكان وصوت هدير الرعد وزخات المطر المنهمرة بغضب من السماء..

كل شيء حولي ينهار لكني لازلت ارقب عودتكما لنوحد صفوفنا مرة اخرى ونعود لاستكمال مشوار حلمنا وبناء وطننا من جديد ...

أسمع صوت نقرات خفيفة على الباب التفت نحو الباب بلهفة تختفي تلك النقرات ترى هل ستعودان وردة ريحانة أفتقدكما هل ستعودان حقا كما كنتما صديقتاي الحميمتان ام أني سأضل إلى الأبد وحيدة هنا وسأواجه الموت منفردة دونكما ؟..