شوقي هائل: غادرت تعز بعد أن تأكدت من أني مستهدف وهذا ما حدث في تعز


شوقي هائل - أقسى ما عرفته بعد مغادرتي لتعز أن يقال عني خائن وهارب أو أن أصنف كداعم لطرف سياسي ضد طرف.

أعتقد أن من حقي أمام هكذا إتهامات أن أشرح بايجاز شديد الظروف التي مررت بها في فترة عملي كمحافظ لمحافظة تعز وأظن أن من الواجب في البداية أن يعرف كل من يتهمني بالخيانة أن قبولي لوظيفة محافظ لم يضف لي شيئاً سوى أني وجدت متسع لخدمة ابناء تعز كمسؤول وصاحب قرار ويشهد الله أني بذلت منذ أول يوم مارست فيه عملي جهوداً تصب معظمها في إتجاه تعويض تعز مما حرمت منه وقد حققت والحمدلله نجاحات في مشاريع وتعثرت في مشاريع وهنا أتوقف لأقول أن تعثري في إنجاز بعض المشاريع لم يكن ناتج عن تقصير أو إهمال وإنما لظروف كان يمر بها الوطن على فترات عصيبة.

لقد حاولت بكل إمكاناتي أن أغير واقع تعز رغم جملة العراقيل التي وضعت في طريقي ورغم حالة الإحتقان التي كانت تعيشها المدينة على خلفية أحداث 2011 حاولت أن أتجاوز ومعي كل المخلصين والشرفاء الأسوار الكبيرة والصغيرة بلقاءات وحوارات عززنا من خلالها الثقة بين ابناء المحافظة وأسسنا من خلال ميثاق شرف التف حوله الجميع, واقع يقوم على تضميد الجروح وتحسين العلاقات بين مختلف شرائح ابناء المحافظة الواحدة وأحسب أن تعز في تلك الفترة كانت محسودة دونا عن سائر محافظات الجمهورية على أمنها وأمانها بعد أن كانت وسائل إعلام محلية وعربية وعالمية تصنفها من المدن التي تشهد عنفا يجذب إهتمام العالم ثم والحمدللة بجهود مشتركة من قيادة السلطة واللجنة الأمنية والأحزاب والتنظيمات السياسية والعلماء والشباب والمرأة والشخصيات الإجتماعية وكل المكونات تلاشى كل شيئ وتحولت تعز الى مدينة هادئة ومستقرة.

بعد أعوام من المثابرة والإستقرار بدأت تلوح في الأفق علامات فتنة على إمتداد اليمن وكان من ضمن مخططها أن تمس نارها تعز غير أننا بتكاتف غير مسبوق لأبناء المحافظة أستطعنا أن نغير مجرى الطوفان وجنبنا تعز لفترة طويلة أن تكون مفتتح مواجهات مسلحة أمتدت بعد ذلك لتشمل كافة المحافظات.

حاولت شخصياً مع بداية الأحداث أن أمنع إنفجار الوضع في تعز على النحو الذي باتت عليه اليوم, كنت حريص وأنا أعقد لقاءات يومية باعضاء اللجنة الأمنية أن تبقى محافظتنا خارج حدود الإشتعال غير أن الوضع بعد أن رفض من كنت أعول عليهم التعاون معي الإنصياع لتوجيهاتي, خرج الأمر برمته عن السيطرة ووجدنا أنفسنا أمام موجة عنف ماكان لها أن تصبح أسرع من إشتعال النار في الهشيم لو اننا أحتكمنا لمنطق العقل وعالجنا قضايانا الصغيرة والكبيرة بحكمة.

لقد بذلت في بداية المواجهات المسلحة جهوداً مضاعفة لإحتواء الموقف وحاولت عبر اللقاءات المباشرة والإتصالات المكثفة أن أمنع إراقة قطرة دم واحدة إلا أني لم أجد أذاناً صاغية فأعلنت إستقالتي كي لا أتحمل مسؤولية إزهاق روحاً بريئة وركزت بعد الإستقالة إهتماماتي بالجوانب الإنسانية حيث سخرت وقتي وإمكاناتي في معالجة كثير من القضايا التي تتعلق بهموم الناس اليومية إبتداء بضمان مواصلة عمل المستشفيات الحكومية ومروراً بتوفير المواد الغذائية الأساسية وايضا توفير المشتقات النفطية للمؤسسات الخدمية وعلى رأسها مؤسسة المياة ومكتب التحسين والنظافة وايضا محطة المخأ البخارية.

هل بعد كل ذلك يمكن أن يقال عني خائن وبالأخص بعد أن أخترقت قذيفة مبنى بيت الدولة (الإستراحة التي كنت أعقد فيها لقاءاتي بعد الظهر) وكأنها رسالة تهديد يراد بها إحباط جهودي بشكل نهائي.

أنا لست خائن طالما فكرت في الخروج من حالة الحصار التي فرضتها الظروف والإنتقال الى مكان يسمح لي بخدمة ابناء محافظتي بشكل أفضل وللعلم ماكنت لأغادر منزلي إلا بعد أن تأكدت من أني مستهدف وقد قيل لي أني سأواجه أشخاصاً سيتنافسون على من يقتلني ليلصقون التهمة بخصومهم, لم يكن من المقبول أن أقف مع طرف على حساب تعز, انا لست مسعر حرب ولا يناسبني أن أحرض على سفك الدماء, لقد حاولت مراراً وتكراراً أن أوقف حمام الدم قبل وبعد سقوط أول ضحايا العنف غير أن الوضع أنذاك كان قد خرج عن السيطرة.

أنا باختصار رجل مدني وأعبر في كل خطواتي العملية عن هوية تعز المدنية والذين أتهموني بالخيانة عليهم أن يسألوا أنفسهم هل كانوا معي في خندق واحد يوم كان البعض يمارس ضدى أقسى أنواع الإبتزاز مالم أعلن عن دعمي لهم فرفضت وقررت إعلان الحياد لتعز وبذلت جهوداً مضنية كمواطن ينشد السلام ويرفض منطق القتل في حل المشكلات.

لم أخن تعز يوم كان الرهان أن أعمل مع طرف ضد طرف, لم أخن من وثقوا بي يوم كانت الفرصة مواتية لأن أصبح بطلاً على حساب دمائهم, لم أخن مدينتي يوم شاهدت ابناء تعز يتوزعون على فريقين ويتبارون على من يدمر ويحرق ويقتل وينهب ويغتصب أحلام من كانوا يريدون لتعز أن تبقى مدينة المحبة والسلام, أنا لم أخن نفسي يوم تخلى عني الجميع وتركوني في فوهة المدفع بذنب محبتي لمدينة باتت معجونة بدماء الابرياء ودموع الضحايا.

أريدكم أن تكونوا منصفين مالذي كان يمكن أن أفعله وقد عجز قبلي أشخاصاً يفوقونني في المسؤولية أن يجنبوا البلاد الحرب, مالذي كنتم تريدون أن أفعله وأنا بدون دولة أستند الى قوانينها, كنت ومازلت أخشى من طوفان بجرف من بعدي ماتبقى من آمل في إبقاء نبض تعز حياً.

هل أنا خائن فقط لأني غيرت مكان إقامتي لكسب مزيد من فرص الدفاع عن مدينة تسفك فيها الدماء بغزارة وتغتال أشباح العتمة الأرواح البريئة في وضح النهار بمنتهى الوحشية.

سأقول للمرة الأولى أنه يوم قبلت أن أتحمل مسؤولية ثلاثة ملايين تعزي كان يخالجني شعور أن الثلاثة ملايين سيصطفون معي طالما وأن وجودي بينهم سيحقق لهم مصالحهم وسأضيف أنا لست عسكرياً ولم يغرني أي لقب ورغم ذلك مارست في عملي الصرامة وكنت جاداً في تحويل تعز إلى محافظة قدوة, أنا لم أكن أحلم بسوى أن أخفف معاناة البسطاء وأحقق لهم أحلامهم غير أني أكتشفت أن المتأمرين على تعز كانوا أقوى من كل المشاريع الوطنية وأن معظم من أستأمنتهم على الأحلام الدافئة تحولوا إلى كوابيس مرعبة.

لم أكن أعلم أن حلم ابناء الدولة المدنية سيعكر صفو علاقاتي بمسؤولين أزعجهم أن أنفق ميزانية المحافظة للمحافظة وأن لا أفرط بريال واحد لكسب ولاء أشخاص أو لشراء ذمة قائد عسكري, كنت أتمنى كمحافظ أن أجد متسع لتنفيذ مشاريع تنموية تخدم حياة المواطن غير أني اقحمت مجبراً بمشاكل وهموم أمنية أستحوذت على مساحة واسعة من وقتي وكانت تشكل بالنسبة لي عبئاً يضاهي أعباء بقية المجالات, لم يتركوا لي بعض المحسوبين على تعز المجال لأن أخصص وقتي في بناء مدينة من الصفر كما كنت أأمل حيث ظل الملف الأمني مفتوحاً كجزء من المؤامرة على مدينة سكانها مسالمون وكل همهم كان محصور في بناء دولة مدنية.

بعد هذا كله كنت سأصبح خائناً لو أني غادرت تعز محملاً بحقائب من الأحقاد وبثروة من الضغائن, أنا لم أحقد على من تخلوا عني وتجاهلوا دعواتي للإصطفاف معي ضد من كانت تسول له نفسه المساس بإمن المواطن التعزي لكن قلبي لن يسامح أبداً من أزهق روحاً بعمد أو من غير عمد, لن أسامح من أوهمني أنه معي ثم طعنني بتعز في ظهري, لن أسامح من روع الأمنيين وكان سبباً في نزوح الالاف عن بيوتهم أو من دمر وشارك في تحويل تعز الى مدينة أشباح.

وارجو ممن سيتهمني بعد قراءة هذا التوضيح بالخيانة أن يضع نفسه في موقفي ليدرك أن المصالحة بين شخصين أو بين قبيلتين تختلف عن وضع حد لحرب أشتعل فتيلها بسرعة البرق ولم يكن من السهل على شخص وجد نفسه محاصر بالنيران ومحاط باشخاص يطلقون الرصاص عشوائيا أن يدعو المتحاربين الى ضبط النفس, أريد ايضاً ممن يردد بأني تركت تعز تحترق أن يسأل نفسه ايهما أفضل أن أظل محاصر داخل منزلي أو أن أجد لنفسي منفذ لأستعيد أنفاسي وأعود الى الواجهة أخدم تعز بنفس وتيرة الحماس, كما سأتمنى على من يقول بإني عملت مع طرف ضد طرف أن يتحرى في حقيقة أني أستنفذت كل الخيارات المتاحة وغير المتاحة لأجنب تعز الحرب وفشلت.

كانت المؤامرة أقوى من أن أتصدى لها بمعزل عن دعم ابناء تعز ككتلة واحدة ويكفي أن أختتم هذه الرسالة بالقول بإني يوم قلت للمعنيين بالمواجهات أن التمترس بالمدنيين كارثة وحاولت أن أمنع ذلك لم يستجب لي أحد ورغم ذلك ظللت أكرر الطلب دون جدوى, كانوا يريدونني أن أصمت وأنا أشاهد ابناء مدينتي يغرقون بدمائهم, لقد غيرت موقع أقامتي لغرض البحث عن وسائل أكثر ثأثيراً وفاعلية أساعد من خلالها على ايجاد واقع ينسجم مع طموحاتي كمواطن تعزي ينشد السلام للجميع ويمقت لغة العنف تحت اي مبرر.

وسأكرر ماقلته أنا من تعز ولن أتخلى عن سكان مدينتي تحت أي ظرف وسأظل بقلبي المحب من داخل منزلي أو من خارج اليمن داعماً للحلول والحوارات المبنية على أساس الخروج باليمن الى بر الأمان وشكراً لكل من دعا لي بظهر الغيب منذ أول يوم مارست فيه عملي حتى لحظة كتابة هذا التوضيح الذي أضطررت لكتابته لتوضيح الحقيقة على أمل أن أكون قد وفقت في أن أضعكم في صورة ماحدث من دون مبالغة أو حاجة لتزييف الحقائق.

والله من وراء القصد ...

شوقي أحمد هائل